
إدارة الصراع والتحكّم برسم واشنطن
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
كاليفورنيا – أوراق استراتيجية
الدكتور عبيد الله برهاني
في البيئة الدولية الراهنة، لم تعد إدارة الأزمات تُختزل في ثنائية الحرب أو السلام، بل باتت تقوم على طيف واسع من أدوات الضغط والتأثير، تتداخل فيه الدبلوماسية مع الردع، والاقتصاد مع الأمن، والتحالفات مع الرسائل العسكرية. في هذا السياق، تتبنى الولايات المتحدة مقاربة الحل الدبلوماسي، مع تأكيد متكرر أن «جميع الخيارات مطروحة على الطاولة». هذه الصيغة لا تعكس تناقضًا بقدر ما تعبّر عن فلسفة استراتيجية هدفها إدارة الصراع وضبطه، لا تفجيره أو تركه يتصاعد خارج السيطرة.
أولاً: الدبلوماسية خيار عقلاني لإعادة هندسة التوازن
من منظور استراتيجي، تدرك واشنطن أن أي مواجهة عسكرية واسعة في الشرق الأوسط تنطوي على كلفة مركّبة: استنزاف الموارد، اضطراب أسواق الطاقة، إرباك شبكة التحالفات، وإعادة ترتيب أولويات الأمن القومي في لحظة يشهد فيها النظام الدولي تنافسًا محتدمًا بين قوى كبرى. لذلك يُنظر إلى الدبلوماسية لا بوصفها خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل أداة عقلانية لإدارة الإيقاع الاستراتيجي واحتواء التوتر ضمن حدود قابلة للتحكم.
في هذا الإطار، لا يُفهم الحل الدبلوماسي على أنه تنازل، بل كآلية لإعادة تشكيل سلوك الطرف المقابل عبر قيود تدريجية، وآليات رقابة، وتفاهمات مرحلية تقلّص مساحة المخاطر. وهو كذلك وسيلة لكسب الوقت، وإعادة ترتيب البيئة الإقليمية، وتفكيك عناصر التهديد بكلفة أقل من المواجهة المباشرة.
وتشير تقديرات دوائر مقربة من الرئيس ترامب إلى أن الاتفاق الأمثل، من وجهة نظرها، ينبغي ألا يقتصر على البرنامج النووي، بل أن يمتد ليشمل برنامج الصواريخ الباليستية والدور الإقليمي لإيران. ويُنظر إلى هذا المسار باعتباره أقل كلفة وأكثر قدرة على إنتاج نتائج استراتيجية مستدامة، خصوصًا إذا حظي بدعم إقليمي من أطراف تفضّل التهدئة وتخشى الانزلاق إلى حرب شاملة على أراضيها.
ثانيًا: «الخيارات المطروحة» كأداة ردع وحماية للمصداقية
في المقابل هناك اتفاق الإبقاء على جميع الخيارات عنصرًا أساسيًا في معادلة الردع. فالتأكيد على الجاهزية العسكرية لا يعني الرغبة في استخدامها، بل توظيفها كقوة كامنة تحمي المسار الدبلوماسي من الانهيار. وتوجَّه هذه الرسالة إلى ثلاثة أطراف في آن واحد:
١-الخصم، لمنعه من اختبار حدود المرونة الأمريكية أو المراهنة على التردد.
٢-الحلفاء، لطمأنتهم بأن الانخراط في التفاوض لا يعني تراجع الالتزامات الأمنية.
٣-الداخل الأمريكي، للحفاظ على صورة الحزم وصون المصالح الاستراتيجية.
بهذا المعنى، تُدار الدبلوماسية تحت مظلة ردع فعّال، بحيث تصبح القوة أداة لضبط شروط التفاوض، لا بديلاً عنه.
ثالثًا: معضلة الوكلاء (المتغير الإقليمي المعقّد)
لا تتحرك واشنطن في فراغ استراتيجي، بل في بيئة إقليمية متشابكة ومعقدة. وهنا تبرز أهمية إدارة «حروب الظل» والتعامل مع الوكلاء الإقليميين كجزء من الاستراتيجية الشاملة. فبينما تسعى واشنطن إلى تجنّب حرب شاملة، تجد نفسها ملزمة بالتصدي للتهديدات العابرة للحدود التي يمثلها وكلاء الخصم، حفاظًا على أمن حلفائها التقليديين.
ويعتمد نجاح المقاربة الأمريكية على قدرتها على موازنة تطلعات الحلفاء، الذين قد يرون في «الدبلوماسية وحدها» فرصة للخصم لتعزيز نفوذه تحت غطاء المفاوضات. لذلك، فإن «الخيارات المطروحة» تشمل أيضًا التنسيق الأمني الوثيق ودعم عمليات نوعية تستهدف تحجيم الأذرع الإقليمية من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، ما يجعل «الأمن الإقليمي» شرطًا أساسيًا في أي مسار دبلوماسي مستقبلي.
رابعًا: إدارة المخاطر بين الضغط والتسوية
تقوم المقاربة الأمريكية على موازنة دقيقة بين الضغط والانخراط؛ إذ يُستخدم الضغط الاقتصادي والسياسي والتكنولوجي لتحسين شروط التفاوض، لا كهدف بحد ذاته، بينما يُخشى أن يؤدي الانفتاح غير المشروط إلى إضعاف الردع. وفي الحالة الإيرانية، ورغم الضغوط الداخلية والاقتصادية، فإن أي تصعيد عسكري محدود قد يأتي بنتائج عكسية، من خلال توحيد الداخل الإيراني وإشعال تصعيد إقليمي يهدد استقرار أسواق الطاقة.
من هنا، لا يتمثل الهدف في إسقاط النظام كليًا أو تحقيق حسم مطلق، بل في الوصول إلى صيغة استقرار مشروط تُقيّد السلوك وتخضعه لرقابة وتوازنات دقيقة.
خامسًا: السيناريوهات بين القبول والرفض
يتفرّع المشهد إلى مسارين أساسيين:
١-خيار القبول بالتفاوض:
قد يفضي إلى اتفاق شامل يشمل النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي، أو إلى اتفاق جزئي يركّز على الملف النووي مقابل تخفيف العقوبات، أو إلى صيغة مرحلية قائمة على مبدأ «خطوة مقابل خطوة» تهدف إلى بناء الثقة المفقودة تدريجيًا والذي يعرف هناك تباين في وجهات النظر نظرا للمصلحة.
٢-خيار الرفض والتصعيد:
في حال رفض الشروط المطروحة، قد يستمر التصعيد النووي بالتوازي مع تشديد العقوبات إلى مستويات غير مسبوقة، مع احتمال اللجوء إلى ضربات جراحية تستهدف القدرات الاستراتيجية، وهو ما قد يسبب اضطرابًا إقليميًا، مع بقاء الحرب الشاملة خيارًا تسعى جميع الأطراف إلى تجنّبه.
سادسًا: من منطق الحسم إلى منطق إدارة الصراع
التحول الأبرز في التفكير الاستراتيجي الأمريكي يتمثل في الانتقال من منطق «إنهاء الصراع» إلى منطق «إدارته». ففي عالم متعدد الأقطاب ومتداخل المصالح، يصبح تحقيق توازن مستدام أكثر واقعية من السعي إلى انتصار شامل قد يفتح الباب أمام صراعات جديدة.
إدارة الصراع تعني الحفاظ على خطوط ردع واضحة، وفتح قنوات تواصل مستمرة، ومنع الأزمات من التحول إلى مواجهات مفتوحة. وهي مقاربة تتطلب براغماتية سياسية، وحسابًا دقيقًا للكلفة والعائد، واستعدادًا دائمًا للتكيف مع المتغيرات.
خاتمة
إن «إدارة الصراع» لا تعني بالضرورة حله، بل تعني القدرة على التحكم في أدواته ومنع تحوله إلى انفجار شامل. وواشنطن، بمزيجها بين الدبلوماسية والردع، تسعى إلى فرض معادلة يكون فيها ثمن التصعيد على الخصم أعلى من ثمن الجلوس إلى طاولة التفاوض، مع ضمان بقاء المنطقة ضمن إطار توازنات تضبطها المصالح الأمريكية.