آخر التحديثاتأبرز العناوينمقال الرأي

واشنطن بين كابول وإسلام آباد: الإدارة الصامتة وأثمانها

الاستماع للمقال صوتياً

كاليفورنيا – مقال الرأي

 الدكتور عبيد الله برهاني

لا يمكن فهم الموقف الأمريكي من التصعيد الباكستاني-الأفغاني بمعزل عن التحول البنيوي الذي أعاد رسم موقع أفغانستان في الاستراتيجية الأمريكية عقب الانسحاب العسكري عام 2021. فمنذ ذلك التاريخ، لم تعد أفغانستان ساحةَ حضور عسكري مباشر، غير أنها احتفظت بأهمية وظيفية في معادلة التوازنات الإقليمية، لا سيما في سياق المنافسة مع الصين وروسيا، وفي إطار منع تشكّل فراغ جيوسياسي تستثمره القوى المنافسة.

في هذا السياق، تكتسب مسألة سقوط ضحايا مدنيين في الضربات الباكستانية أهمية تمسّ صميم الشرعية الدولية. فقد وثّقت جهات إعلامية دولية، في مقدمتها الجزيرة ووكالة أسوشيتد برس، سقوط ضحايا مدنيين، مما وضع واشنطن أمام اختبار الموازنة بين علاقتها مع إسلام آباد وخطابها المعلن بشأن حماية المدنيين والقانون الإنساني الدولي.

وجاء الموقف الأمريكي دون إدانة صريحة، فيما تزامنت العمليات مع تواصل سياسي رفيع بين العاصمتين، ما أضفى على الصمت الأمريكي دلالة تتجاوز التحفظ الدبلوماسي. وقرأ طيف واسع من المثقفين والاكاديميين من الأطراف الأفغانية هذا الامتناع، في ظل التقارب السياسي، بوصفه إقراراً ضمنياً أو غياباً لاعتراض فعلي كان يمكن أن يشكّل رادعاً دبلوماسياً.

.

وهم الشراكة الاستراتيجية

غير أن توصيف هذه العلاقة بـالشراكة الاستراتيجية” هو في حد ذاته جزء من الخطاب الدبلوماسي المُصنَّع، لا وصفاً دقيقاً للواقع. فالحقيقة التي لا يختلف عليها المحللون الجادون  من بروس ريدل في بروكينغز إلى حسين حقاني الذي كان سفيراً لباكستان في واشنطن نفسها  أن إسلام آباد مارست على مدى عقود لعبة مزدوجة موثّقة: تأخذ المليارات بذريعة مكافحة الإرهاب، وتحتضن في الوقت ذاته الملاذات الآمنة لمن تحاربهم واشنطن. ومقتل بن لادن في أبوت آباد على بُعد أمتار من أكاديمية عسكرية باكستانية لم يكن استثناءً محرجاً، بل كان الدليل الأفضح على هذه المعادلة التي لم يجهلها أحد.

فالعلاقة بين البلدين تقوم على توافق مصالح ظرفية متكررة لا على رؤية مشتركة: واشنطن وظّفت باكستان أداةً في أفغانستان، وباكستان وظّفت واشنطن مصدراً للتمويل والغطاء الدولي، وكل طرف كان يعرف أن الآخر يلعب ويقبل اللعبة لأن بديلها كان أسوأ في حسابه اللحظي. وهذا التوصيف يغيّر كثيراً في التحليل: فإذا كانت الشراكة تكتيكية-توظيفية في جوهرها، فإن “الحفاظ عليها” ليس قيمة استراتيجية حقيقية بل مجرد تأجيل للتناقضات البنيوية. وبالتالي، فإن التحفظ الأمريكي عن إدانة الضربات لا يعكس عمق شراكة، بل يعكس غياب البديل وقصر النظر في الحسابات الآنية، فيما تعلّمت إسلام آباد أن اللعب المزدوج لا يُكلّف بل يُجزي، ودفعت أفغانستان الثمن الأكبر.

المعضلة الاستراتيجية المركّبة

تواجه واشنطن معضلة ذات وجهين: فهي تدرك أن الضغط العلني على باكستان قد يضعف علاقة لا تزال ذات قيمة وظيفية، غير أن تجاهل الرواية الأفغانية قد يدفع كابول نحو تسريع البحث عن قوى موازنة دولية. وهذا الاتجاه بدأت مؤشراته تتضح في تنامي العلاقات الاقتصادية الأفغانية مع الصين في قطاع التعدين، والانفتاح المتزايد على روسيا، ومشاركة أفغانستان في صيغ إقليمية تقودها موسكو وبكين. والأشد تعقيداً أن واشنطن قد تخسر باكستان نفسها على المدى البعيد، إذ أعادت إسلام آباد تعريف موقعها ضمن شبكة علاقات أكثر تنوعاً وعزّزت شراكتها مع الصين، مما يجعل واشنطن أمام خطر تآكل نفوذها لدى الطرفين في آنٍ واحد.

أزمة الوساطة والفضاء الدبلوماسي الغائب

يكشف هذا التصعيد عن فراغ دبلوماسي لافت، يتمثل في غياب أي آلية وساطة فاعلة قادرة على استيعاب التوترات قبل بلوغها عتبة التصعيد العسكري. فالمنظمات الإقليمية كمنظمة شنغهاي للتعاون ومنظمة التعاون الإسلامي تعاني من قيود بنيوية تحول دون اضطلاعها بدور وساطة ناجع، فيما يظل تأثير الأمم المتحدة محدوداً في مواجهة طرفَي نزاع يتحركان خارج أي إطار اتفاقي ملزم. وهنا تبرز مفارقة جوهرية: فواشنطن التي تمتلك نفوذاً معتبراً على إسلام آباد تُحجم عن توظيفه في صياغة مبادرة دبلوماسية واضحة، مكتفيةً بالموقف التفاعلي الحذر. وهذا الإحجام ذاته بات يُشكّل رسالة ضمنية تُقرأ في عواصم المنطقة باعتبارها تراجعاً في الإرادة الدبلوماسية الأمريكية، والفضاء الذي تتركه واشنطن شاغراً لن يبقى فارغاً طويلاً، بل قد تملأه مبادرات موسكو أو بكين.

إعادة تعريف الدور الأمريكي

يمثّل هذا التصعيد اختباراً مباشراً للعقيدة الاستراتيجية الأمريكية في مرحلة ما بعد الانسحاب. فقد انتقلت واشنطن من استراتيجية السيطرة المباشرة إلى استراتيجية الإدارة غير المباشرة للتوازنات، معتمدةً على الفاعلين الإقليميين للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار. هذه المقاربة خفّضت الكلفة العسكرية المباشرة، لكنها في المقابل قلّصت قدرة واشنطن على ضبط سلوك حلفائها وإيقاع التصعيد، فلم تعد الولايات المتحدة تمارس دور الضامن المباشر بل أصبحت أقرب إلى دور المراقب المؤثر جزئياً. وتكمن خطورة هذا التحول في أن الفاعلين الإقليميين باتوا يتصرفون وفق حساباتهم الذاتية دون افتراض وجود تدخل أمريكي حاسم، مما قد يؤدي إلى تراجع تدريجي للدور الأمريكي لصالح ترتيبات إقليمية أكثر ارتباطاً بالقوى الأوراسية الصاعدة.

في المحصلة، لا يعكس التصعيد الباكستاني-الأفغاني مجرد أزمة حدودية، بل يمثّل اختباراً لمستقبل التوازنات الإقليمية ولمدى قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقعها في مرحلة انتقالية من النظام الدولي. وحين تمتنع واشنطن مجدداً عن الإدانة فهي لا تحمي شراكة استراتيجية، بل تكافئ نمطاً سلوكياً طالما كلّفها أكثر مما أعطاها، وتترك السؤال الجوهري معلقاً: هل ستظل قوة مرجحة في معادلات المنطقة، أم ستتحول إلى فاعل محدود التأثير في بيئة دولية تتجه بثبات نحو التعددية القطبية؟

د. عبيد الله البرهاني

أكاديمي وكاتب سياسي أميركي من أصل أفغاني
زر الذهاب إلى الأعلى