
قاعدة باغرام: محور الاستراتيجية الأميركية والوسطاء الإقليميين
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
قطر – مقال الرأي
الدكتور عبيد الله برهاني
في قلب آسيا الوسطى، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتزاحم استراتيجيات الجوار الإقليمي، تظل قاعدة باغرام الجوية أكثر من مجرد منشأة عسكرية مهجورة. فهي مرآة لتاريخ التدخل الأمريكي في أفغانستان، ورمز للذاكرة الوطنية المثقلة بالصراع، وفي الوقت نفسه ورقة تفاوضية محتملة في معادلات الحاضر والمستقبل. إن الحديث عن باغرام ليس استعادة لصفحة من الماضي فحسب، بل هو اختبار لقدرة الأطراف المحلية والإقليمية والدولية على تحويل الإرث العسكري إلى رافعة سياسية أو إبقائه مصدرًا للانقسام والجدل.
لقد أثارت الأنباء حول مطالبات أمريكية محتملة بإعادة النظر في قاعدة باغرام موجة واسعة من الجدل الأفغاني والإقليمي. سلطات الأمر الواقع في كابول أعلنت رفضًا قاطعًا لأي مقترح من هذا النوع، مؤكدة أن عودة القاعدة تحت السيطرة الأجنبية يتعارض مع مبادئ السيادة الوطنية، ويتناقض مع اتفاقية الدوحة الموقعة عام 2020 بين الولايات المتحدة وحركة طالبان¹. من هذا المنظور، فإن مجرد طرح الفكرة يبدو بالنسبة للكثيرين خطوة غير واقعية، بل وتعيد إلى الأذهان هواجس الاحتلال وإعادة إنتاج التدخل الخارجي.
غير أنّ النقاش حول مستقبل القاعدة لا ينحصر في دائرة الرفض المبدئي فقط. ثمة أصوات واقعية ترى أن أفغانستان، بما تحمله من موقع جيوسياسي حساس وسط تنافس القوى الكبرى، لا يمكنها أن تغلق الباب تمامًا أمام أي مقترح يمس أمنها ومصالحها الاستراتيجية. فالجغرافيا السياسية تحيط بها من كل جانب بجيران يسعون إلى تعزيز أدوارهم على حسابها، بل إن بعض الدول الإقليمية لم تتردد سابقًا في تقديم تسهيلات للقوى الكبرى، ومنها الولايات المتحدة²، على نحو يجعل من أفغانستان عرضة للمؤامرات والتجاذبات.
وفي هذا السياق، يصبح النقاش حول باغرام أكثر تعقيدًا. فالمتشددون ينظرون إلى الأمر باعتباره تدخلًا سافرًا لا يحتمل النقاش، بينما تميل المقاربة البراغماتية إلى اعتباره ورقة يمكن تداولها ضمن إطار أوسع من التفاهمات الأمنية والسياسية والاقتصادية وحتى الإنسانية. إذ إن أي اتفاق مستقبلي لن يكون ذا جدوى ما لم يتزامن مع تسويات حقيقية تضمن استقرار الداخل الأفغاني من جهة، وتلبي المخاوف الأمنية للولايات المتحدة من جهة أخرى. ولعل تصريحات المبعوث الأمريكي الخاص لشؤون الإرهاب، كريستوفر كورك، في أغسطس 2025³ حول استمرار التعاون مع السلطات الأفغانية في مجال مكافحة الإرهاب، تعكس إدراك واشنطن لضرورة المضي في مسار الشراكة غير المباشرة بدلًا من العودة إلى المعادلة العسكرية الصرفة.
البعد الإقليمي والوسطاء
في موازاة ذلك، تبرز أدوار الدول الإقليمية، وعلى رأسها قطر والإمارات العربية المتحدة، باعتبارهما حلقتين رئيسيتين في مسار الوساطة والتقريب بين كابول وواشنطن. فقد لعبت الدوحة، منذ مفاوضات الدوحة 2018–2020 وحتى اليوم، دورًا محوريًا في توفير الأرضية الدبلوماسية واللوجستية التي ساعدت الطرفين على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة. وبفضل خبرتها التراكمية في ملفات الوساطة، اكتسبت قطر موقع الشريك الموثوق الذي يحظى بقبول متبادل.
أما الإمارات، فقد انخرطت مؤخرًا في محاولة دعم مسار التفاوض عبر مبادرات إنسانية واقتصادية، إدراكًا منها بأن تعزيز الاستقرار الأفغاني لا يمكن فصله عن مقاربة شاملة تجمع بين الأمن والتنمية. إن دخول الإمارات على خط الوساطة يفتح الباب أمام تكامل إقليمي قد يُسهم في تخفيف فجوة الثقة بين كابول وواشنطن، إذا ما أحسن توظيفه في إطار توافقي أوسع.
البعد الصيني–الروسي
من زاوية أخرى، لا يمكن إغفال الموقفين الصيني والروسي من ملف باغرام. فالصين ترى أن أي عودة أمريكية إلى القاعدة الواقعة في ولاية بروان –على بعد قرابة 300 إلى 400 كيلومتر من حدودها عبر طاجيكستان– يشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، خصوصًا مع حساسيات ملف شينجيانغ وهاجس تسلل الحركات الانفصالية⁴. أما روسيا، التي تعتبر آسيا الوسطى مجالًا تقليديًا لنفوذها الاستراتيجي، فترى أن عودة واشنطن إلى موقع عملياتي مثل باغرام يقوّض جهودها في إحكام السيطرة الأمنية عبر منظمة معاهدة الأمن الجماعي. وفي ضوء الحرب الأوكرانية وتوتر العلاقات مع الغرب، تزداد حساسية موسكو تجاه أي مؤشر يعكس عودة الولايات المتحدة إلى خاصرتها الجنوبية⁵.
إن إدراج هذه الحسابات الدولية يجعل من النقاش حول باغرام مسألة أبعد من ثنائية “كابول–واشنطن”، لتصبح معادلة إقليمية–عالمية ذات أبعاد استراتيجية متشابكة
إن قاعدة باغرام، بما تحمله من رمزية استراتيجية وتاريخية، ستظل موضوعًا مفتوحًا على احتمالات التأويل والتوظيف السياسي. غير أنّ تحويلها إلى محور صراع جديد ليس خيارًا حكيمًا، خصوصًا في ظل غياب دوافع إقليمية مباشرة تهدد المصالح الأمريكية أو وجود تنظيمات عابرة للحدود تستدعي عودة النفوذ العسكري. ومن ثم فإن بقاء النقاش في حدود النظرية والتقديرات يبقى أفضل من الانجرار إلى مسارات قد تعيد أفغانستان إلى مربع الأزمات.
وإذا كان لا بد من البحث عن معادلة أكثر توازنًا، فإنها تقوم على تعزيز الشراكات الأمنية والسياسية والاقتصادية بما يحفظ السيادة الأفغانية من جهة، ويأخذ في الحسبان هواجس القوى الكبرى من جهة أخرى. وفي هذا السياق، تبدو قطر والإمارات مرشحتين للقيام بدور جسور دبلوماسية، شرط أن تُمنحا مساحة كافية من الثقة والتنسيق، بينما يبقى الدور الأمريكي محددًا لمدى نجاح هذا المسار أو تعثره.