آخر التحديثاتأبرز العناوينأوراق استراتيجية

الاقتصاد والأمن: ملفا اللقاء والتناقض الصيني -الأميركي

دراسة على أجزاء بقلم يعرب صخر

الاستماع للمقال صوتياً

جذور وآفاق العلاقات الأميركية الصينية

(3)

رابط الجزء (1)    رابط الجزء (2)

إن أكثر ما يتحكم بالعلاقات الأميركية-الصينية، ملفان أساسيان وهما الإقتصادي والأمني . ولعل ؛ لا بل إن الشأن الإقتصادي هو الذي تدور حوله العلاقة الثنائية وتتأثر به ، وتُنسج الاستراتيجيات على أساسه. لكن الإستراتيجية الأميركية (آسيا الباسيفيك) الجديدة، عكست محاولة أميركية لتكون المتحكِّم بالأمور ولترسم الهدف البعيد وهو المجال الحيوي، والذي على أساسه طموح التحكم بالجيوبوليتيك وبالتالي بالجيو-إقتصاد. فما هي دلالات هذه العوامل؟ وهل حرفت سياسات التعاون الى المنافسة والصراع ؟

1- الملف الاقتصادي:

 بعث الصينيون الحياة في تنينهم الفلكلوري، ونفضوا عنهم غبار الأيدولوجيا، وتحسسوا طريقهم لصنع القوة واسماع صوتهم للعالم، وأيقنوا أن الاقتصاد هو الذي يقود العالم، وأن سباق التسلح هو الذي أطاح بالدب الروسي، بالتالي لا يجب السير في طريقه. فتسربت شركاتهم وبعثاتهم لاستكشاف مفاصل الاقتصاد العالمي، وزرعوا خلاياهم الاقتصادية في كل الأسواق ومناطق المواد الخام.

واشنطن الغارقة في دوامة الحرب على الإرهاب، تستيقظ ولكن بعد فوات الأوان لتجد التنين الصيني يسرح ويمرح في حدائقها ومفاصل اقتصادها، بعد أن كانت تراقب تمدده عبر العالم.. دقت أجراس الخطر، فهذا التنين لن تتمكن من استدراجه الى مذبح سباق التسلح المنهِك الذي أجهزت فيه على الدب الروسي. فالتنين لم يعطها فرصة اختيار ميدان المواجهة، وهو من فرض عليها الاقتصاد كميدان للمواجهة، فأمريكا المنهكة بحروبها ضد الإرهاب، وبانهيار المصارف المريع، لا يبدو أنها قادرة على وقف إندفاعة هذا الاقتصاد الفتي لابتلاع العالم.

المواجهة الاقتصادية:
مع بدية الألفية الثالثة، حاولت واشنطن ترويض بكين من خلال طرح جملة من أوراق الضغوط السياسية والاقتصادية في وجهها، وبدا الصراع الفعلي على الساحة التي اختارتها بكين، أي ساحة الاقتصاد والسوق، فهاهي البضائع الصينية الرخيصة التي وفرتها عمالتها الرخيصة وتقنية الشركات الغربية والأمريكية التي غادرت في حركة نزوح جماعي مواطنها الأصلية، تحت إغراء اليد العالملة الرخيصة، لتستقر في خلية النحل التي تعمل ليل نهار للحاق بالعالم، ها هي تدخل كل بيت أمريكي، وبعد أن أصبحت ظاهرة مسيطرة على كل اسواق العالم، رغم تدابير الحماية التي سنتها المؤسسة الرأسمالية نفسها لتكون مدخلها لغزو أسواق العالم والسيطرة عليها تحت مظلة العولمة، فتتحول بمثابرة الصينيين الشيوعيين الى مداخل آمنة وشرعية لابتكار نمطٍ رأسمالي ٍّ فريد يقارع العولمة ويهدد بتدمير وحش الاقتصاد الرأسمالي التقليدي.

أصبحت علاقة البلدين على قدر كبير من الأهمية بالنمو الاقتصادي في الصين على اعتبار أن السوق الأمريكية من أكبر الأسواق للصادرات الصينية، وبالمقابل فإن السوق الصينية المتنامية محل اهتمام الشركات الأمريكية، كما أن تنامي السوق الصينية يوفر للولايات المتحدة كل سنة آلاف فرص العمل .

ويمكن القول بأن العلاقات التجارية شهدت تطوراً مضطرداً منذ تأسيس العلاقة الدبلوماسية بينهما، حيث تعاظم حجم التجارة البينية في عام 2000، كما زادت الاستثمارات الأمريكية في الصين، وتعتبر الولايات المتحدة اليوم أكبر شريك تجاري للصين. إن الرؤية التي تنظر بها كل من الولايات المتحدة والصين تجاه بعضهما البعض، تؤكد بأن كل منهما يعتبر شريكاً اقتصادياً مهماً للآخر، إلا أن هذه الرؤية تعتبر أكثر أهمية لدى الطرف الصيني، والسبب: حاجة الصين إلى التكنولوجيا ورأس المال الأمريكي. واستيعاب السوق الأمريكي لمجمل الصادرات الصينية، إذ تتجه نسبة كبيرة من هذه الصادرات إلى الأسواق الأمريكية.

ويستحوذ السوق الأمريكي على ما يقارب من 25% من حجم البضائع الصينية. وبلغ حجم التجارة بين الدولتين ما يقارب 500 بليون دولار في العام الواحد. وتمتلك الحكومة الصينية أيضا ما يقارب 1.2 تريليون دولار من ديون الخزانة الأمريكية، أي حوالي 8%، وهذا يجعلها أكبر دائن أجنبي للحكومة الأمريكية، حيث تأتي في المرتبة الثالثة بعد مؤسسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ومؤسسة التأمينات الاجتماعية. وكانت الصادرات الأمريكية إلى الصين قد زادت منذ انضمام الثانية إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001 وهي الآن ثالث أكبر سوق خارجي للبضائع الأمريكية.

صرح بن برنانكي، رئيس البنك المركزي الأمريكي، في محاضرة مهمة في نوفمبر 2010، بأن مجمل إنتاج الاقتصادات الصاعدة، عام 2010، قد زاد بنسبة 41% عما كان عام 2005. وقد بلغت الزيادة نسبة 70% في الصين، ونحو 55% في الهند. أما في الاقتصادات المتقدمة، فقد كانت الزيادة لا تتجاوز 5% . لقد تجاوزت الاقتصادات الصاعدة الأزمة الاقتصادية بسهولة، ولكن آثارها كانت كارثية على الدول المتقدمة.


قضايا اقتصادية وتجارية عالقة في العلاقات الأمريكية-الصينية، ومنها:
– معركة حقوق الملكية الفكرية: والتي تضمنت اتهامات الولايات المتحدة المتكررة للصين بانتهاك حقوق الملكية الفكرية وهو ما أسمته (القرصنة الاقتصادية) من خلال خرق حقوق براءات الاختراع وتزوير العلامات التجارية، من نسخ وإعادة طبع شرائط الأفلام السينمائية والموسيقية والكتب دون الحصول على إذن مسبق، ودفع مستحقات المنتجين الأمريكيين، وهو ما يكلف الولايات المتحدة خسائر بالمليارات. وبالتالي فرضت الولايات المتحدة ضريبة على وارداتها من الصين كإجراء عقابي.
– الاتهامات الأمريكية للصين بأنها سبب البطالة فيها، وبخاصة بطالة عمال النسيج والملابس بسبب انخفاض أسعار الصادرات الصينية من المنسوجات إلى الولايات المتحدة وأوروبا الغربية .

-الاتهامات الأمريكية للصين أنها تهدد الغرب عموماً بأزمة اقتصادية حادة، ونتيجة لذلك، فقد ازدادت الضغوط الأمريكية على بكين لرفع قيمة عملتها أمام الدولار، وأمام هذه الضغوطات أقدمت الصين في شهر تموز من عام 2005م على رفع قيمة اليوان بزيادة طفيفة.
– اتهام الولايات المتحدة الصين بأنها تنتج وتصدر منتجات غير آمنة تضر بالصحة العامة، وتهدد حياة البشر، وبأنها تغرق الأسواق بالمنتجات الرخيصة، مما يؤدي إلى تشويه التجارة.
– اتهام الولايات المتحدة الصين بأنها تعمل مع الدول النامية ذات الأنظمة الدكتاتورية، وخاصة دول إفريقيا وتنهب مواردهم الطبيعية.

يُعتبر الملف الاقتصادي أحد أهم محاور العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، وتشهد العلاقات الاقتصادية والتجارية تطورا مستقرا، حيث تعتبر الولايات المتحدة الشريك التجاري الأول للصين وبحسب بعض الإحصاءات فقد “بلغت الصادرات الصينية للولايات المتحدة 21% (من إجمالي الصادرات الصينية)” وقد بلغ حجم التبادل التجاري بينهما إلى ما يزيد عن خمسمائة مليار دولار أمريكي عام 2012. وتعتمد الولايات المتحدة بشكل كبير على الصين في تصريف سندات الخزانة الأمريكية، حيث تعتبر الصين أكبر مستثمر في هذه السندات = (بالرغم من ذلك تظهر بعض القضايا الخلافية بين البلدين تتعلق بالسياسات النقدية الصينية وانخفاض سعر العملة الصينية مقابل الدولار، واحتجاج الصين على بعض السياسات الاقتصادية الحمائية ضد الواردات الأمريكية من الصين، وغيرها ..) .

استطاعت الصين أن تستفيد من تهافت الشركات العالمية المنافسة على سوقها الذي يشكل في نظر هذه الشركات الكعكة الكبيرة التي يسيل لها لعاب الجميع، كلٌ للحصول على حصة منها فتمكنت بذلك الصين من فرض شروطها على استثمارات هذه الشركات داخل سوقها الكبير بأن استفادت من نقل التكنولوجيا الحديثة وتكنولوجيا المعلومات. وإنشاء صناعاتها الخاصة المنافسة ووضع استراتيجية تقود الصين لأن تكون بطلاً فاعلاً في السوق العالمية المستقبلية.

 ان الملف الاقتصادي يعطي بعدا جديدا في تقييمنا للعلاقات بين الولايات المتحدة والصين ، فبالرغم من التناقضات في العديد من الملفات وحالة التنافر السياسي في الكثير من القضايا، إلا ان البلدين يتبعان منهجا براغماتيا يقوم على الواقعية ويتناسى المثالية والمبادئ، ويركز على المنفعة والمصالح المتبادلة في إدارة العلاقة فيما بينهما.

2- الملف الأمني :

تميزت العلاقات الصينية الأمريكية في مجمل حقبة التسعينات بالتوتر وعدم الثقة وسيطر عليها عاملان هما: القلق والانتقاد الصيني للتقارب الأمريكي التايواني، والتخوف الأمريكي من تصاعد النفوذ الاقتصادي الصيني. على المستوى الأمني، ورغم ما شهدته حقبة منتصف التسعينيات من تطوير للتعاون الأمني ،إلا أن الولايات المتحدة لم تُخْفِ تخوفها من أن الصين سوف تكون التهديد الرئيس الكامن للولايات المتحدة. ومع أنه، وبعد الزيارة الرسمية للرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون إلى الصين عام 1998أدت إلى المزيد من التعاون الأمني والعسكري بين البلدين، إلا أنه ما من شك بأن العلاقة الأمريكية الصينية تتسم بالتنافس،الذي يُمكن أن يؤدي إلى صدام .

لذا فإن الولايات المتحدة تعتمد سياسة إظهار قدرتها الإستراتيجية الكاملة من خلال علاقات التحالف مع بعض دول آسيا والمحيط الهادئ، وكذلك تبوُّء المواقع الأمامية العسكرية، وسوف يحد ذلك من الخطر العسكري الصيني، وكذلك تعزيز التحالفات العسكرية مع بعض الدول، والتأكيد على تواجدها العسكري في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، فعمدت الى محاصرة نفوذ الصين المتنامي وذلك بالتغلغل داخل مجالها الحيوي، وتطويقها اقتصاديا وأمنيا بالأحلاف والمعاهدات وعسكريا بالقواعد في كل من اليابان وكوريا الجنوبية وأخرى بأستراليا. إذ بالإضافة إلى وجود 28 ألف جندي أمريكي في كوريا الجنوبية و 50 ألفا في اليابان، تعمد الولايات المتحدة الأمريكية، بموجب اتفاقية عسكرية جديدة موقّعة مع أستراليا، إلى إرسال المزيد من القوات إلى شمال أستراليا، ليبلغ العدد 2500 جندي أمريكي بحلول بحلول عام 2016… الأمر الذي جعل الصين تشعر بالقلق العميق، وترك تأثيرات سلبية على العلاقات الأمنية بين البلدين.

عسكرياً، يُعد مستوى التقدم التقني للقوات المسلحة الصينية متخلفاً عن مستوى القوات المسلحة الأمريكية بما يُعادل 40 عاماً، وإذا ما استطاعت أن تنجز 30 عاماً من التطور التقني حتى عام 2015، فسيكون مستواها عندئذٍ مساوياً لمستوى القوات المسلحة الأميركية في أواخر الثمانينات.

المخاوف الأمريكية من تنامي القدرات النووية الصينية، والقدرة التي تتمتع بها في ممارسة الردعين التقليدي والنووي ضمن محيطها الإقليمي، وكذلك استمرارها في تحديث قدراتها العسكرية بهذا الشكل السريع، سيجعلها  الدولة الوحيدة القادرة على تحدي الولايات المتحدة الأمريكية في شرق آسيا، وسيكون للولايات المتحدة فقط الدور الرئيس في مواجهة القدرة الصينية الإقليمية.


ويمكن اختصار أهم نقاط الخلاف الأمني والعسكري الأمريكي الصيني بعدة نقاط:
– زيادة مستوى الإنفاق العسكري لدى الصين الى نحو 90 مليار دولار،اي حوالي ضعف الرقم الذي تعلنه
– الدرع الصاروخي الأمريكي، والتخوف الصيني من حقيقة أهداف الولايات المتحدة من إنشائه. إذ تعتقد الصين بأنه يشكل خطراً عليها وخاصة ضمن محيطها الآسيوي.
– الاتهامات الأمريكية الموجهة للصين حول تقصيرها في المساعدة على فرض إرادة الولايات المتحدة  الأمريكية على كوريا الشمالية فيما يخص برنامجها النووي.

هناك الكثير من الأمثلة التي تعضد هذا الكلام. ميزانية وزارة الدفاع الصينية ترتفع 10% كل عام منذ سنوات حيث ارتفعت إلى 116 بليون دولار كما في أحدث التقارير الرسمية، مع بعض التقارير التي تقول أن حجم الإنفاق العسكري يرتفع إلى 180 بليون دولار سنوياً.

في العامين الماضيين بدأت الصين بناء حاملة طائراتها الأولى (نموذج سوفييتي معدل)، وأعلنت أيضا عن بناء أخريات. كما إنها أعلنت رسمياً عن اختبارها لطائرات تجسس وطائرات محملة بصواريخ بدون طيار. وأعلن أيضا الحزب الشيوعي في 2012 عن خطط طموحة لتطوير صواريخ بالستية قادرة على حمل رؤوس متعددة الاستخدامات مما سيمكنها من تخطي نظام الدروع الصاروخية الأمريكي. في الوقت نفسه، تعمل الصين على بناء غواصات قادرة على حمل صواريخ قادرة على تجنب النظم الأمريكية للإنذار المبكر المتبقي من أيام الحرب الباردة. كما إنها تعمل على برنامجها للفضاء بشقيه الخاص بالأغراض المدنية والعسكرية.

وتمثل الحرب الإلكترونية جبهةً تتطور بسرعة في مجال الصراع العالمي، ويعتبر شكلاً من الأشكال التي تحاول فيها الصين أن تغير نمط العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة. وبالنظر إليها من بعدٍ إستراتيجي، فإن الهجمات الإلكترونية لا تختلف عن الأساليب القديمة في التجسس والاختراق. الهجمات الالكترونية تمثل حقلاً مثمراً من وجهة النظر الصينية، لأنها لا تحتاج إلى استخدام الطرق والآليات العسكرية التقليدية، والتي تتفوق فيها الولايات المتحدة بالتأكيد، كما إنها تعتبر أن قوتها وقوة الولايات المتحدة في هذا المجال تعتبر متقاربة نوعاً ما. كما إن الهجمات الإلكترونية من الصعب إثبات الجهة التي تقوم بها، صحيح أن بالإمكان معرفة المكان الذي يأتي منه الهجوم ولكن ليس من السهل معرفة الجهة المسؤولة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الحرب الإلكترونية غالباً تنطلق من أماكن مجهولة وغير معلومة لأغلبية الناس في كلا البلدين. خصوصا بالنسبة للصين والتي مازالت الحالة القانونية فيها تعاني من عدم انضباط. لهذا ستكون الحروب الالكترونية مجالاً خصباً للصراع بين الصين والولايات المتحدة .

يعرب صخر

الجنرال يعرب صالح صخر عميد ركن في الجيش اللبناني، وباحث مشارك في منصة وايتهاوس مختصّ بالملفات العسكرية الإقليمية والدولية. تقاعد من الجيش إثر خدمة وطنية لمدة 36 عاماً. الجنرال حامل لدرجات الماجستير العلمية في التخصصات: الدراسات الاستراتيجية، الحرب والدبلوماسية، والأمن القومي.
زر الذهاب إلى الأعلى