
آخر التحديثاتأبرز العناوينمقال الرأي
ليبيا بين إرث الصراع وأمل الدولة
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
مقال الرأي بقلم الأستاذ ناصر عبد اللّه
عضو هيئة تحرير البيت الأبيض بالعربية
بعد سنوات طويلة من الانقسام والصراع، يقف الليبيون اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة، لحظة تتطلب تغليب صوت العقل، وإعلاء مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. لقد أنهكت المراحل الانتقالية مؤسسات الدولة، وأرهقت المواطن، وأصبحت الحاجة إلى بناء دولة مستقرة وموحدة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
لقد أسقط الليبيون حكم العائلة بعد اثنين وأربعين عامًا من الاستبداد واحتكار السلطة، وقدموا في سبيل حريتهم وكرامتهم تضحيات جسامًا ودماءً غالية لن ينساها التاريخ. ولذلك فإنهم لن يقبلوا، تحت أي ظرف أو مسمى، بالعودة إلى حكم العائلة أو إعادة إنتاج مشروع التوريث من جديد. فليبيا الجديدة يجب أن تقوم على مبدأ أن الشعب هو وحده مصدر الشرعية، وأن السلطة تُكتسب عبر الإرادة الحرة للمواطنين، لا بالوراثة، ولا بالقوة، ولا بفرض الأمر الواقع.
كما أن الليبيين الذين ضحوا من أجل الحرية لن يقبلوا باستمرار الفوضى، أو بقاء السلاح خارج إطار الدولة، أو استمرار الانقسام الذي حرمهم من الأمن والاستقرار والتنمية. فلا يمكن بناء دولة حديثة في ظل تعدد مراكز القوة، ولا يمكن تحقيق العدالة في ظل انتشار السلاح خارج المؤسسات الشرعية.
إن قيام دولة القانون يقتضي أن يكون السلاح حكرًا على الجيش والشرطة والمؤسسات الأمنية الرسمية، وفق القانون وتحت سلطة الدولة وحدها. كما يقتضي إنهاء كل مظاهر الجريمة المنظمة، والتصدي بحزم لسرقة المال العام، ووقف تهريب النفط والثروات الوطنية، لأن هذه الثروات هي ملك لجميع الليبيين، وليست حقًا لفئة أو جماعة أو منطقة دون أخرى.
إن الانتخابات الحرة والنزيهة تمثل الطريق السلمي والحضاري لتجديد الشرعية، وإنهاء المراحل الانتقالية التي طالت أكثر مما ينبغي. فهي ليست انتصارًا لشخص أو حزب أو تيار، بل انتصار لمبدأ أن الشعب الليبي وحده هو صاحب القرار، وهو من يختار من يحكمه، وهو من يملك حق محاسبته أو تغييره عبر صناديق الاقتراع.
كما أن أي جهود دولية أو إقليمية تُسهم في تهيئة الظروف لإجراء انتخابات حرة، وتدعم توحيد المؤسسات، وتحترم سيادة ليبيا وإرادة شعبها، يمكن أن تشكل فرصة للمساعدة في تجاوز حالة الانقسام، شريطة أن يبقى القرار النهائي بيد الليبيين وحدهم. على الليبيين أن ينظروا إلى المستقبل بعين الأمل، وأن يضعوا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. إن دعم الجهود الرامية إلى إجراء انتخابات تُنهي المراحل الانتقالية وتُرسخ الاستقرار هو مسؤولية وطنية. والمبادرة الوطنية التي يعمل عليها مستشار الرئيس الأمريكي السيد مسعد بولس تمثل فرصة تستحق الدراسة والنقاش البنّاء. إن خبرته السياسية ومعرفته بالمنطقة والتقاليد العربية قد تُسهم في تقريب وجهات النظر ودعم مسار السلام. فلنتكاتف جميعًا لإنجاح كل جهد صادق يهدف إلى استقرار ليبيا ووحدتها.
إن ليبيا لا تحتاج إلى جولات جديدة من الصراع، ولا إلى مشاريع إقصاء أو انتقام، بل إلى مصالحة وطنية حقيقية تقوم على العدالة، وسيادة القانون، واحترام حقوق المواطنين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس الكفاءة والشفافية والمساءلة.
لقد آن الأوان لأن يستعيد الليبيون دولتهم، وأن يحموا ثرواتهم، وأن ينهوا الفوضى، وأن يفتحوا صفحة جديدة عنوانها الأمن والاستقرار والتنمية. ولن يتحقق ذلك إلا بدولة واحدة، ومؤسسات واحدة، وسلاح واحد، وقانون واحد، وإرادة شعبية واحدة تُعبّر عنها انتخابات حرة ونزيهة.
فمستقبل ليبيا لا يصنعه السلاح، ولا المال، ولا التدخلات، بل يصنعه الليبيون أنفسهم، عندما يجتمعون على كلمة سواء، ويؤمنون بأن الوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من الحكومات، وأن سيادة الشعب هي الأساس الذي تُبنى عليه الدولة، وتحفظ به وحدة ليبيا وكرامة أبنائها.