آخر التحديثاتأبرز العناوينرسالة المحرّر

التواصل الاجتماعي بين التسميم وإعادة “إعمار” الثقة

الاستماع للمقال صوتياً
واشنطن – رسالة المحرر
بقلم مرح البقاعي
 
من نافلة القول أن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على المجتمعات الحديثة يُعتبر واحداً من أهم القضايا الجدلية في عصرنا، حيث غدت المنصات المصممة في الأصل للتعارف والتشبيك بين الناس، أدوات نافذة في تشكيل الرأي العام والتأثير على الأحداث السياسية وإعادة تعريف العلاقات الاجتماعية.
 
وفي المجتمعات المتأثرة بالحرب والاستقطاب والانقسامات السياسية العميقة، يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي إما أن تساهم في المصالحة والشفاء الاجتماعي، وإما أن تكون سبباً في تعميق جراح الكراهية والتهميش وحتى الاحتراب.
 
في الحالة السورية، أنضجت سنوات من الصراع بين النظام السابق والمعارضة جروحاً اجتماعية عميقة. تطورت الخلافات السياسية إلى صراع مسلح اكتسبت تدريجياً أبعادًا طائفية وعرقية وأيديولوجية، بينما تعرّض الملايين من الأشخاص للنزوح والتنكيل والصدمات.
 
خلال هذه الفترة الحرجة، ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر أساس للمعلومات لكثير من السوريين داخل وخارج البلاد. إلا أنّ هذه المنصات التي من المفترض أن تشكَل مصدراُ سريعاً وموثوقاً للخبر المستقل، وكذا منبراً جامعاً للحوار الجاد والحر بين السوريين الذين تفرّقت بهم السبل، غالبًا ما غدت ساحات للتوزيع المزاجي للاتهامات (التشبيح)، وممارسة القمع الفكري والترهيب المجتمعي بين أطياف السوريين من مختلف مشاربهم وانتماءاتهم الدينية والسياسية وحتى المجتمعية.
 
وكذا تلعب المعلومات المضلِلة دوراً رئيساً في تعميق الافتراق والمشادات الافتراضية. فالقصص الكاذبة والصور التي تم التلاعب بها والروايات المضللة، تنتشر كالنار في الهشيم، لا سيما في أوقات الأزمات. وغالباً ما يستغل هذا المحتوى حالة الخوف الهشة والصدمات، ما يجعل المجتمعات أكثر عرضة للتلاعب. وفي المجتمعات المنقسمة يمكن للمعلومات المضللة أن تعيد إشعال المظالم القديمة وعرقلة الجهود المبذولة لإعادة بناء الثقة. 
 
إلا أن لوسائل التواصل الاجتماعي دور أصيل لا بد من العودة إليه في دعم مبادرات بناء السلام وتعزيز ثقافة الحوار والإنصات للآخر واحترام إنسانيته ورأيه والمساهمة في صياغة التقارير القائمة على الحقائق والمشاركة. كما أن الحملات التي تقودها المنصات الرقمية بإمكانها أن تؤكد على القيم المشتركة والتحديات الصعبة والتطلعات المتبادلة بما يساعد على إعادة بناء الشعور بالهوية الجماعية.
وهنا يتجلى دور الصحافة الرقمية – إثر انحسار زمن الجرائد الورقية – كصحافة سلام، بدلاً من التركيز على تأجيج الصراعات وتوجيه اللوم والمواجهات. تسعى صحافة السلام إلى تمهيد السياقات، وتسليط الضوء على الحلول، وإعلاء الأصوات التي تعمل من أجل التعايش دون تجاهل الظلم أو المعاناة، بل معالجتها بطرق تشجع على سبر الأسباب ومهالجتها بدلاً من تشجيع الانتقام والكراهية.
إن مستقبل المجتمعات الخارجة من الصراعات الحادة الجارفة لثوابت الوحدة المجتمعية، لن يعتمد على الاتفاقات السياسية وإعادة الإعمار وحسب، بل على استعادة الثقة التي هي وحدها التي ستحتاج إلى إعادة الإعمار العاجل و الإسعافي. ويمكن ببساطة لوسائل التواصل الاجتماعي تسميم هذه العملية من خلال إدامة الخوف والانقسام، تماماً كما يمكنها المساهمة في التسريع من الشفاء وترميم الثقة من خلال تشجيع التعاطف والحوار والاعتراف المتبادل.
فصل المقال، التكنولوجيا طاقة محايدة محرّكها يكمن في إرادة المجتمع وخيار أفراده في إدارة دفة تلك الطاقة (مع أم ضد) الحياة والإنسان.
 

مرح البقاعي

مستشارة في السياسات الدولية، صحافية معتمدة في البيت الأبيض، ورئيسة تحرير منصة .’البيت الأبيض بالعربية’ في واشنطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى