
كابول تنقسم بين موسكو وواشنطن
|
الاستماع للمقال صوتياً
|
الدكتور عبيد الله برهاني
تشهد أفغانستان في المرحلة الراهنة تحولات تتجاوز إطارها الداخلي، لتندرج ضمن سياق أوسع من إعادة تشكّل التوازنات الإقليمية والدولية في آسيا الوسطى وجنوب آسيا، وذلك في ضوء موقعها الجيوسياسي الحساس وتشابك مصالح القوى الإقليمية والدولية، ما جعلها نقطة تقاطع لاعتبارات أمنية واقتصادية وتنموية متعددة، في ظل استمرار غياب إطار دولي متماسك لإدارة مرحلة ما بعد الانسحاب الغربي.
وفي هذا السياق، لم تعد الحالة الأفغانية تُقارب بوصفها ملفًا أمنيًا معزولًا، بل كجزء من شبكة مركبة من التفاعلات الجيوسياسية المرتبطة بتحولات النظام الدولي في مرحلة ما بعد الأحادية القطبية، حيث أسهم تراجع الانخراط الأمريكي المباشر في المنطقة في بروز ديناميات إقليمية أكثر حضورًا، خاصة في مسار التفاعل بين موسكو وكابل، ضمن مقاربة براغماتية لإدارة الملفات الأمنية ذات الاهتمام المشترك.
ويعكس حضور وفد من سلطات الامر الواقع في كابول، برئاسة وزير الدفاع مولوي محمد يعقوب مجاهد، إلى جانب مسؤولين أمنيين روس رفيعي المستوى في المنتدى الأمني بموسكو، تطورًا تدريجيًا في قنوات التواصل نحو مستويات أكثر انتظامًا من التنسيق الأمني، كما يشير توقيع اتفاق تعاون عسكري على هامش المنتدى إلى تقدم محسوب في مسار العلاقات الثنائية ضمن سياق إقليمي لا تزال ملامحه قيد التشكل وإعادة التوازن.
الفراغ الأمريكي: غياب رؤية استراتيجية متكاملة
منذ الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، لم تتبلور مقاربة استراتيجية شاملة تجاه المرحلة اللاحقة. إذ لم يُسجل اعتراف سياسي رسمي بالسلطة القائمة في كابل، كما لم يُبلور إطار مؤسسي واضح للعلاقات الثنائية، في حين ظل الانخراط الاقتصادي محدودًا وغير منتظم. ويعكس هذا الوضع مزيجًا من الحذر السياسي وغياب رؤية متكاملة لإدارة مرحلة ما بعد العمليات العسكرية.
وقد أسفر ذلك عن نشوء فراغ في مجالات الدعم الدولي والتمويل، ما انعكس على إعادة تموضع تدريجي في السياسة الخارجية الأفغانية باتجاه تنويع الشراكات والانفتاح على قوى إقليمية أكثر مرونة في مقارباتها.
السياسة الأمريكية: انخراط محدود وأدوات غير مباشرة
اتسمت السياسة الأمريكية بعد الانسحاب بدرجة من التحفظ في الانخراط المباشر، مع الاعتماد على أدوات اقتصادية ومالية غير مباشرة. ولم تتبلور حتى الآن استراتيجية شاملة لإدارة التوازن السياسي أو دعم الاستقرار الداخلي، ما أدى إلى تراجع التأثير الأمريكي المباشر، مقابل اتساع هامش الحركة أمام فاعلين إقليميين ودوليين آخرين.
روسيا: مقاربة أمنية ضمن الفضاء الأوراسيا
تنظر روسيا إلى أفغانستان من منظور يرتبط بأمن آسيا الوسطى واستقرار الفضاء الأوراسيا وتتركز مقاربتها على إدارة المخاطر العابرة للحدود، بما في ذلك التطرف العنيف والجريمة المنظمة، إلى جانب تعزيز قنوات التواصل الأمني والسياسي مع الأطراف الفاعلة في كابل، ضمن رؤية أوسع للحفاظ على النفوذ الإقليمي.
الصين: انخراط اقتصادي وحذر سياسي
تعتمد الصين مقاربة ذات طابع اقتصادي، ترتكز على ربط أفغانستان بمشاريع التنمية الإقليمية، خصوصًا في إطار مبادرة الحزام والطريق. ويُلاحظ أن بكين تتعامل بحذر سياسي، مع التركيز على الاستقرار كشرط أساسي لضمان نجاح المشاريع الاقتصادية.
الانسحاب الغربي: غياب مقاربة انتقالية متكاملة
لم يواكب الانسحاب الغربي إطار شامل لإدارة المرحلة الانتقالية، بل جرى الاعتماد على أدوات ضغط مالي واقتصادي دون مسار تنموي متكامل. وقد أسهم ذلك في توسيع هامش التحرك أمام القوى الإقليمية، وإعادة تشكل موازين النفوذ داخل الساحة الأفغانية.
أفغانستان كعقدة جيوسياسية إقليمية
تتكرّس أفغانستان كعقدة جيوسياسية في قلب توازنات آسيا الوسطى وجنوب آسيا، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن الإقليمي مع مصالح الطاقة والربط الاقتصادي والممرات التجارية. ويجعل هذا التشابك الاستراتيجي من استقرارها الداخلي عاملاً حاسمًا في ضبط أو إعادة تشكيل ديناميات النفوذ الإقليمي، بما يتجاوز حدودها الوطنية ليطال توازنات أوسع في محيطها الجغرافي.
القيود الداخلية وضيق هامش الحرك رغم محاولات كابل تنويع علاقاتها الخارجية، يظل هامش الحركة محدودًا بفعل التحديات المالية والعزلة الدولية الجزئية والضغوط الأمنية، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة الشراكات الناشئة ومستقبل توازنها التحديات الأمنية والإقليمية تُعد التوترات بين أفغانستان وباكستان من أبرز مصادر عدم الاستقرار الإقليمي، في ظل تبادل الاتهامات بشأن انتهاكات محتملة للسيادة وعمليات عسكرية عبر الحدود. كما تشير تقارير إعلامية ودولية إلى وقوع استهدافات لمناطق ومنشآت مدنية، مع الإشارة إلى بعض الحالات التي طالت منشآت صحية في كابول، من بينها منشأة طبية مخصصة لعلاج وتأهيل مدمني المخدرات، وهو ما انعكس سلبًا على مستوى الثقة بين الجانبين في سياق إقليمي يتسم بحساسية عالية وتداخل في المصالح الأمنية. وتُسهم هذه التطورات في تعميق حالة عدم الاستقرار، خاصة في ظل استمرار تهديد تنظيم داعش–خراسان العابر للحدود، الذي يستفيد من بعض الثغرات الأمنية والاجتماعية، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد الأمني ويحدّ من قدرة الدولة على فرض استقرار مستدام.
خاتمة تعكس الحالة الأفغانية مساراً تدريجياً لإعادة تشكّل التوازنات الإقليمية والدولية، في ظل تعدد الفاعلين وغياب إطار دولي جامع. وبين الفراغ الاستراتيجي النسبي والقيود الداخلية، تبدو أفغانستان في مرحلة انتقالية معقدة تتطلب مقاربات متعددة الأطراف لتعزيز الاستقرار والحد من التصعيد.
وتدعو هذه المقاربة إلى دمج الأبعاد الأمنية والتنموية والإنسانية، في وقت تحد فيه التحديات الاقتصادية وضعف الموارد من فرص الاستقرار وبناء شراكات مستدامة.
وفي هذا السياق، يُعد تعزيز التعاون الإقليمي في مجالات مكافحة الإرهاب، والبنية التحتية، والتجارة، وبناء القدرات، إلى جانب دعم الإصلاحات الداخلية، عاملاً أساسياً لتمكين اندماج تدريجي ومستدام لأفغانستان في محيطها الإقليمي والدولي.