حقوق مدنيةديمقراطياتقضايا جندرية

هكذا كتب السوريون دستورهم في العام 1950

بسام أبوطوق

الاستماع للمقال صوتياً

أول انقلاب عسكري على الديمقراطية الوليدة في سوريا، كان ذلك الذي قاده حسني الزعيم في شهر آذار/مارس 1949، بكل ما فيه من بربرية وتخلف وخداع وغباء سياسي وتقاعس وطني، بحيث أن ضباطه وعساكره الموالين له لم يستطيعوا أن يهضموا هذا المنعطف الشائن لروح وتقدم المجتمع المدني السوري.

أربعة أشهر ونيف فقط، كانت كافية ليراجع عسكريو سوريا مواقفهم، فيسقِطون نظام الزعيم، ولكن بانقلاب ثان قاده سامي الحناوي، الذي حاول أن يتحاشى مصير سلفه، ولكن هيهات، فالعسكر استمرأ لعبة الانقلابات والسلطة، فينقلب أديب الشيشكلي على الحناوي، وأخيرا يتم تسليم الأمانة الى قادة وزعماء الوطن السوري.

سيقوم المجتمع السوري، بكافة أحزابه وتياراته ومكوناته وزعاماته، على اختلاف وتعدد مشاربها و رؤاها وبرامجها، بانتخاب جمعية تأسيسية كلفت بكتابة دستور سوري، يناسب مستوى وتطور وتطلعات السوريين الوطنية والديمقراطية، وفي حين تم افتتاح أعمال هذه الجمعية التأسيسية، وهي أول جمعية بعد الاستقلال في كانون الثاني 1950 مؤلفة من 144 عضواً وكانت تضم معظم القوى والأحزاب السياسية المتواجدة في “سوريا” وترأسها “ناظم القدسي” وكان مقرر لجنة الدستور فيها “عبد الوهاب حومد”، وصدر الدستور في أيلول/سبتمبر 1950، أي في غضون 9 أشهر، عُقدت خلالها 62 جلسة وتضمن نقاطاً إيجابية وردت في دستور 1950 لناحية إفراده 28 مادة عن الحقوق والحريات، وإقرار مجانية التعليم وإلزام الحكومة بمحو الأمية في “سوريا” خلال 10 سنوات. والأبرز كان منح المرأة السورية حق الانتخاب واستخدام اللغة الجندرية للمرة الأولى.

يعتبر دستور 1950 نقطة انطلاق الدستور السوري الحديث، الذي سيتم تعديله وتنقيحه من جانب الجمعية التأسيسية المؤلفة من 290 عضواً منتخباً عبر انتخابات وطنية نزيهة. وستتم الموافقة على الدستور السوري الجديد من خلال استفتاء وطني
مرادفا لأجواء اجتماعات ومناقشات أعضاء الجمعية التأسيسية.

وفي مناخ صحي ونظيف، يعلي من شأن حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة، وأفضلية الثقافة والتنوير على الجهل والظلام، قام مفكرو وصحافيو سوريا بواجباتهم ومسؤولياتهم، فكانت نقاشات واقتراحات موازية لمجريات الحوار والتفاوض تحت قبة الجمعية التأسيسية، إن المستوى الراقي والحضاري والفكري للنقاشات والمداولات التي حصلت بين مفكري وصحفيي سوريا، دل على أعلى مستوى من النضوج الفكري والسياسي والمجتمعي، وعلى جاهزية السوريين للحوار والتلاقي والتوافق.

أذكر على سبيل المثال لا الحصر، الصحافي السوري شكري كنيدر منشئ صحيفة التقدم، والسياسي البارز فارس الخوري في مقابلة أجرته معه القبس في عددها 9 شباط/فبراير 1950، وكذا رأي للدكتور محمد السراج نشرته القبس في عددها 13، وكان للصحفي المتميز نجيب الريس مساهمات في هذا الحوار، فيما دعا الدكتور ناظم القدسي رئيس لجنة الدستور المفكرين والمثقفين والسياسيين ورجال القانون إلى إرسال ملاحظاتهم إلى لجنة الدستور(لأننا أمة ديمقراطية قبل كل شئ، ولأننا نريد أن نضع دستورا جديدا يتفق ورغبات الأمة ومصالحها).

هناك الكثير الكثير من هذه النقاشات والتصريحات، إنما أردنا الإشارة إلى روحية هذا الجو الديمقراطي في التعبير والحوار والتصريح، وإلى المستوى العالي في التسويات والتوافقات، وإلى استحضار المواقف التاريخية كحلقات متتابعة ومستمرة، فليس هناك قطيعة مع الماضي على طريقة الانقلابات العسكرية، بل ديمومة و تواصل.

وعلى هذا، كان السوريون وفي كل لحظة فاصلة من حياتهم، وبعد كل خمود لمرحلة انتقال، يستعيدون حيويتهم، و يتصالحون مجدداً، ويعيدون بناء دولتهم ودستورهم.

ما أبعد الليلة عن البارحة، ولكن بالأمل والعمل، يمكن أن تشبه الليلة البارحة.

زر الذهاب إلى الأعلى