
غير مسموح لأردوغان التفريط بالفرصة التاريخية
الاستماع للمقال صوتياً
|
مونتريال – مقال الرأي
م. بسام أبوطوق
تتعرض تركيا لموجة هادرة من الأحداث السياسية المتلاحقة، بزخم يتراوح بين صعود وطني لتسوية سلمية بين أطراف فاعلة في الساحة التركية تنزاح فعالياتها من الصراع بالسلاح إلى الصراع بالسياسة، وبين هبوط ديموقراطي يحول النشاط الانتخابي لتمثيل الشعب التركي إلى معارك قضائية و إقصائية، وينقل اللعبة الديموقراطية الدستورية إلى
أجواء صراعات في الشوارع وساحات الكر والفر بين ناشطي أحزاب متظاهرين وقوى أمن ونظام.
في هذا السياق يأتي اعتقال أكرم إمام أوغلو- عمدة اسطنبول الفائز انتخابيا مرتين- والمرشح الأبرز لحزب الشعب الجمهوري المعارض للانتخابات الرئاسية القادمة في عام 2028، ومعه مائة من من أعوانه، بتهم تتراوح بين الفساد والعلاقة مع الإرهاب، أي الاتصال بحزب العمال الكردستاني، وهو الحزب الذي تتفاوض معه حكومة أردوغان عبر رئيسه المعتقل في السجون التركية من أجل التوصل إلى تسوية سلمية.
اعتقال إمام أوغلو في خطوة استباقية للترشح للانتخابات الرئاسية هو فصل ممجوج من صفحات كتاب الدكتاتوريات، واستعادة مملة لممارسة اليد الصلبة في القفاز المخملي، ولتسويق طبخة الفساد والأرهاب هذه يرش عليها بهار عديم الطعم والرائحة
فتكتشف جامعة اسطنبول فجأة أن الشهادة الجامعية التي حازها إمام أوغلو منذ ثلاثين عاما هي شهادة باطلة مما يبطل أحد شروط ترشحه للانتخابات الرئاسية.
عبد الله أوجلان قائد حزب العمال الكردستاني المعتقل منذ 1999 في سجن تركي مظلم، يتوج رحلته من الكفاح المسلح إلى العمل السياسي في رسالته التي نشرت للرأي العام الكردي والتركي في 27 فبراير 2025 بنداء جوهره الطلب من حزب العمال الكردستاني بإلقاء السلاح والتحول إلى العمل المدني والسياسي .
يأتي هذا الطلب الأوغلاني رصداً للوقائع المتغيرة في تركيا واعترافاً بانسداد الافق السياسي أمام حل واضح للمسألة الكردية.
فإذن يستلهم أوغلان بقصد أو غير قصد تجربة نيلسون مانديلا، المؤسس الظافر للانتقال من الكفاح المسلح إلى النضال السلمي السياسي. ويراهن على أن ترد حكومة أردوغان وحليفه القومي المتعصب دولت بهشلي التحية بأحسن منها.
رسالة أوجلان لا تدعو لصفقة تبادل مصالح بل لاتفاقية وجودية بعيدة المدى ومستدامة
فتركيا ستتحرر من التبعات والتكاليف المادية والبشرية للصراع العسكري، والأكراد سيعملون على حماية مكتسباتهم السياسية وتطويرها حيث يتفرغون بشكل كلي للانخراط في السياسة وبناء مؤسسات مدنية والتركيز على العامل البشري والحياة بديلاًعن العسكرة والانتحار .
في سياق هذا التطور الوطني التاريخي الصاعد لمنطق يراعي صفات ومواصفات اللحظة الراهنة. يأتي التدهور الديموقراطي الهابط معاكسا لمنطق النشاط السياسي، ومستعيداً إشكالات و شهوة الحفاظ على السلطة والتشبث بغنائم الحكم، ومعبراً عن انسداد لا فكاك منه، في تقبل اللعبة الديموقراطية وتداول السلطة والاحتكام إلى الشعب وصناديق الاقتراع وشفافية البرامج الانتخابية إلى آخره من أدوات الحكم الديموقراطي .
وفي ظل المتغيرات الدولية المتسارعة من تقلص الظل الإيراني عن المنطقة العربية من شطآن البحر المتوسط إلى السهوب الفارسية ، والسقوط المدوي للنظام الأسدي الفاسد المفسد،والتغول الاسرائيلي لملء الفراغ وفرض الأمر الواقع، وفرص الحرية والتغيير لشعوب منطقة بلاد الشام من سوريا ولبنان والأردن والعراق ، يتعين على حكومة أردوغان التصدي للمهام الإقليمية الملقاة على عاتقها بحذر وأناة، وهذا يحتاج إلى وحدة وطنية وتماسك مجتمعي، والتمسك باللحظة التاريخية السانحة لها لتكون الدولة الديمقراطية بحيوية اقليمية عظمى لحمتها وحدة وطنية في الداخل وسداها نموذج يقتدى به في الخارج.