
خارج النفط والسلاح.. تحولات العلاقات السعودية الأميركية
الاستماع للمقال صوتياً
|
كاليفورنيا – مقال الرأي
الدكتور عبيد الله بر هاني
شهدت الشراكة الأمريكية السعودية تحولات ملحوظة، حيث انتقلت من التحالف التقليدي إلى تداخل استراتيجي مع تغير الديناميكيات الإقليمية والدولية. فقد ازدادت أهمية المملكة العربية السعودية في الساحتين الإقليمية والدولية، مما دفعها إلى تعديل أولوياتها السياسية والاقتصادية وتعزيز علاقاتها مع قوى إقليمية وعالمية مثل روسيا. في المقابل، تغيرت أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، مما أثر على مسار الشراكة مع الرياض. هذه التحولات تعكس تغيرًا في طبيعة التعاون بين البلدين، حيث أصبح التداخل الاستراتيجي سمة بارزة لهذه العلاقة في مواجهة التحديات الإقليمية والعالمية.
عقب الضربات الأمريكية الأخيرة على الحوثيين في اليمن، تصاعدت هجماتهم في البحر الأحمر، مما أدخل البلدان الاستراتيجية في مرحلة بالغة الدقة والتعقيد. يركز البلدان على تحقيق الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب، لكن الأولويات التكتيكية تختلف. تسعى الولايات المتحدة لردع الحوثيين وحماية حرية الملاحة، بينما تركز السعودية على وقف التهديدات والحوار مع الحوثيين. هناك جهود للحفاظ على الهدنة وتجنب أي تصعيد، لكن الاختلاف في النهج الاستراتيجي يمثل تحديًا. على الرغم من عدم مشاركة السعودية بشكل مباشر في الضربات الأمريكية الأخيرة، إلا أن التنسيق وتبادل المعلومات بين البلدين مستمر لمواجهة التحديات الأمنية في المنطقة، مع إدراك كل طرف لأولوياته وقيوده.
وفي خضم التحولات الأخيرة في سوريا، تسعى الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية إلى تحقيق توازن دقيق في التعامل مع مختلف الفاعلين الإقليميين والإسلاميين، بما في ذلك تركيا. ويرتكز التعاون على تحقيق الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب واحتواء النفوذ الإيراني، مع إدراك التباينات في الأولويات والتكتيكات. وتحاول الولايات المتحدة التوفيق بين شراكتها مع تركيا في حلف الناتو ومخاوفها بشأن عملياتها في سوريا ودعمها لقوات سوريا الديمقراطية. في المقابل، تبنت السعودية مقاربة واقعية في التعامل مع القيادة الجديدة في دمشق وتسعى لتعزيز الاستقرار الإقليمي وتقليل النفوذ الإيراني والتركي، مع الحفاظ على قنوات اتصال مع أنقرة. ويهدف هذا التوجه المتوازن إلى تنسيق الجهود مع الأطراف الرئيسية في المنطقة لضمان وحدة سوريا واستقرارها، ومنع تحولها إلى بؤرة لزعزعة الاستقرار، على الرغم من التحديات المستمرة في ظل تعقيد التحالفات وتضارب المصالح.
تتسم الشراكة الاستراتيجية الأمريكية السعودية في الملف العراقي حاليًا بتنسيق حذر وتركيز متزايد على مواجهة النفوذ الإيراني. وتولي الولايات المتحدة أهمية قصوى لدعم استقرار العراق وسيادته وتعزيز مؤسساته لتمكينه من مقاومة التدخلات الخارجية وتقليل النفوذ الإيراني عبر الدعم السياسي والاقتصادي للحكومة العراقية. وبالمثل، تعتبر السعودية العراق عمقًا استراتيجيًا وتسعى لتعزيز العلاقات الثنائية مع بغداد، بما في ذلك تكثيف التعاون في مجالات الطاقة والاقتصاد. كما تواصل السعودية دعم جهود العراق في مكافحة الإرهاب، ومساندة المؤسسات العراقية في تحقيق الأمن الداخلي، بما يعزز من استقرار المنطقة. ويهدف ذلك إلى بناء عراق قوي ومستقر ومستقل، وهو ما يتلاقى مع مساعي الولايات المتحدة لتقليص النفوذ الإيراني ودعم الحكومة العراقية في بسط سيادتها وإنهاء نفوذ الميليشيات. وقد كثفت المملكة مبادراتها الدبلوماسية والاقتصادية لتحقيق هذه الغاية وتقليل اعتماد بغداد على طهران.
في أعقاب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، باشرت المملكة عملية إعادة تموضع استراتيجي في هذا الملف الإقليمي الحساس. ولم يكن قرار إعادة فتح السفارة السعودية في كابول مجرد خطوة رمزية، بل يعكس رغبة المملكة في ملء الفراغ الإقليمي الناشئ ومواجهة محاولات التمدد الإيراني والقطري في الساحة الأفغانية. فالرياض، انطلاقًا من ثقلها الديني والسياسي، تسعى إلى استعادة دورها المحوري في بلد لطالما ارتبط بتاريخها السياسي منذ حقبة الحرب ضد الاتحاد السوفيتي في ثمانينيات القرن الماضي.
وتُعدُّ زيارة وزير خارجية حكومة الأمر الواقع الافغاني، السيد أمير خان متقي، إلى المملكة العربية السعودية في أبريل 2025، وما صاحبها من استقبال شبه رسمي، دلالة واضحة على هذا التوجه الجديد. وتُفسر هذه الخطوة في سياق نظرية التوازن الإقليمي، حيث تحاول المملكة بناء قنوات تأثير مباشرة مع الأطراف الفاعلة الجديدة في كابول، مع الحفاظ في الوقت ذاته على التنسيق الأمني الوثيق مع واشنطن، لا سيما في ملفي مكافحة الإرهاب ومنع تحول أفغانستان إلى ملاذ آمن للجماعات المتطرفة، والانخراط المباشر مع كابول دون الاعتراف، تماشيًا مع سياسات المجتمع الدولي المطالب بالإصلاحات الشاملة.
“تحمل هذه الزيارة إلى السعودية رسائل سياسية واضحة. على الصعيد الداخلي، تسعى طالبان لتعزيز شرعيتها عبر الانفتاح على السعودية، التي تتمتع بثقل ومكانة كبيرة، مما يمنحها رصيدًا رمزيًا هامًا. على الصعيد الدولي، ترسل الرياض إشارة إلى واشنطن والقوى الغربية مفادها أنها لا تزال شريكًا مؤثرًا وقادرًا على التواصل مع أطراف يصعب على الآخرين التعامل معها. أما على الصعيد الإقليمي، فتُظهر المملكة استعدادها لمنافسة إيران والدول الإقليمية الأخرى على النفوذ في منطقة آسيا الوسطى، دون الانزلاق إلى مواجهات مباشرة، مع الأخذ بعين الاعتبار نفوذ دولة قطر والإمارات العربية المتحدة والتعاون معها في الملف الافغاني والملفات الإقليمية الاخرى، على شاكلة الملف السوري.
تشير نتائج السياسة السعودية الحديثة إلى تحولات جوهرية في نمط التفكير الاستراتيجي للمملكة. فلم تعد الرياض تعتمد بشكل حصري على التحالف التقليدي مع واشنطن، بل تتجه نحو تنويع شراكاتها وتوسيع نطاق نفوذها باستخدام أدوات دبلوماسية واقتصادية وأمنية متعددة الأوجه. فمن معالجة الأزمة اليمنية إلى الانخراط في الملف الأفغاني، ومن الانفتاح على الحوار مع إيران إلى تعزيز التعاون مع القوى الدولية الكبرى، ترسم المملكة معالم سياسة خارجية أكثر واقعية ومرونة. وفي ضوء هذه التحولات، يمكن القول إن الشراكة الأمريكية السعودية لم تعد مجرد علاقة نفط وسلاح، بل تطورت إلى تداخل استراتيجي معقد يعكس تشابك المصالح وتكامل الأدوار في منطقة تشهد تحولات متسارعة على الصعيدين الإقليمي والدولي.