آخر التحديثاتأبرز العناوينثقافات

“وداعاً جوليا” صوت الفن فوق صوت المعركة

الاستماع للمقال صوتياً

القاهرة – ثقافات

بقلم أحمد المسيري

تتشكل الصورة النمطية في أنساق عديدة، فمنها ما يرتبط بمعتقد ديني، أو بمظهر خارجي، أو سلوك اجتماعي، أو بالعادات والتقاليد، وفي الواقع لا يستطيع أحد أن يتحرر بسهولة من الصورة النمطية التي يُسلم بعض الباحثين في علم الإجتماع على أنها نوع من تكوين رأي ثابت يحمل قدراً كبيراً من التعميم عند تقييم جماعة معينة تجمعها مشتركات سواء عرقية أو دينية أو إجتماعية أو غيرها.

ويعتبر التجريد من الشرعية من أهم الأساليب الهامة والأساسية التي تمثل أهم طرق التنميط الشائعة، وتشمل عدة عمليات كالنبذ، والإبعاد، وإلصاق الصفات السلبية، وصنع الألقاب ذات الصبغة الأيديولوجية، حيث يعرف التجريد من الشرعية على أنه نوع من أنواع إنكار آدمية بعض الجماعات، وذلك من خلال تصنيفها إلى فئات اجتماعية أقل، حيث يتم تصنيف البعض منها على أنهم جماعات خارجة عن القيم والتقاليد والأعراف الإنسانية ولا تقوم بالإلتزام بها ولا بقوانينها، ومن ثم يجب نبذهم وإبعادهم والتخلص منهم بأي طريقة، وتتعدد أساليب وطرائق تجريد العدو من شرعيته ومن أشهرها هي (تجريده من إنسانيته Dehumanization) عن طريق وصفه بصفات ذميمة أو أدنى مثلما كان يُطلق على سكان جنوب السودان المسيحي (بالعبيد) من قبل سكان الشمال المسلم، ويشير بعض الباحثين والمتخصصين في علم الإجتماع السياسي إلى أن الصراع لا يكون عادة بين الدول أو الجماعات على الدور السياسي أو الموارد فقط، ولكن لابد من وجود بعد آخر يرتبط بالصور المشوهة التي تكونها الدول أو الجماعات عن بعضها البعض، فتكون هذه العلاقات وطيدة كلما تحسنت هذه الصورة، والعكس بالعكس، ويحفل تاريخ الصراعات والحروب بأمثلة على ذلك مثل الحروب الصليبية قديماً بين الشرق المسلم والغرب المسيحي، والعداء الشديد بين اليهود والمسلمين، والصراع الشهير بين شمال السودان وجنوبه والذي إنتهى بالإنفصال في عام 2011 وصولاً إلى حالة الإنهيار الكامل والحرب مؤخراً وهذا ما يتناوله هذا العمل الدرامي.

عندما يصبح سبب معاناتك هو من يواسي حزنك وإنكساراتك

تدور أحداث فيلم “وداعاً جوليا” في الفترة بين عام 2005 حيث إنفجار الصراع بين سكان جنوب السودان المسيحي وشمال السودان المسلم نتيجة لمقتل “جون قرنق” النائب الأول السابق لرئيس جمهورية السودان قبل الإنفصال، ورئيس حكومة الجنوب، وزعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان، وصولاً إلى عام 2011 ونتيجة الإستفتاء الخاص بحق تقرير المصير والذي إنتهى بالتصويت بالأغلبية لقرار الإنفصال، ويركز العمل على أثر النزاع والصراعات العنيفة وعدم الإستقرار السياسي على العلاقات الإجتماعية، حيث تدور أحداثه حول “منى” من سكان الشمال والتي تصدم بسيارتها طفل من جنوب السودان “داني”، وتقرر الهرب فتنطلق بسرعة إلى منزلها وينطلق خلفها والد الطفل بدراجته البخارية ويحاول إيقافها، فتقوم منى بالإتصال بزوجها “أكرم” وتستنجد به وهي مذعورة دون إيضاح أي أسباب فيخرج “زوجها” حاملاَ بندقية ويقوم بإطلاق النار على الرجل الجنوبي ويقتله.

يقوم أكرم بإستخدام علاقاته فتتواطأ الشرطة معه وتقوم بتقييد الجثة على أنها من الجثث المجهولة، وبينما تقوم “جوليا” بالبحث عن زوجها والذي يعيلها هي وطفلها الصغير تشعر “منى” بالذنب فتبحث عن زوجة القتيل “جوليا” وطفلهما “داني” وتقوم بإيوائهم بمنزلها حيث تعمل “جوليا” خادمة لديهم، كما تقوم بعلاج “داني” والإهتمام بتعليمه، ومساعدة “جوليا” أيضاً في تحقيق حلمها وإستكمال دراستها دون الإفصاح عن حقيقة ماحدث سواء لزوجها “أكرم” أو ل“جوليا” وطفلها، وتنشأ علاقة صداقة قوية بين “جوليا” السيدة الجنوبية المسيحية و“منى” السيدة الشمالية المسلمة ويقوم كل منهما بدعم الآخر ولكن تنقلب الأمور لاحقاً رأساً على عقب.

التوظيف الجيد لأبطال العمل والرمزيات لتجسيد الصراع السوداني

إعتمد أسلوب المخرج “محمد كردفاني” على الرمزية ذات الدلالات المحسوسة والتي نجحت في جعل المشاهد يتوحد مع العمل، فنلاحظ منذ المشاهد الأولى للعمل ظهور تصدع في جدار المنزل الخارجي، وأيضاً سقف المنزل الداخلي الذي يرشح ماء، وساعة الحائط التي تعبر عن الرتابة والملل، واللوحة الشهيرة للطفل الباكي للرسام الإيطالي “جيوفاني براجولين” والتي قام برسمها للطفل الضال “بونيللو” والذي علم فيما بعد أن سبب البكاء المستمر لهذا الطفل هو أنه رأى والده يتفحم في حريق منزلهم، فيقرر إيوائه ولكن ينقلب عليه الطفل فيما بعد ويحرق منزل الرسام ولوحاته ويهرب، وكأنه إسقاط على الطفل “داني” والذي سيعلم فيما بعد حقيقة مقتل والده.

ورغم أن المخرج لا يصنف فيلمه على أنه سياسي ولكنه نجح في توظيف الأبطال لتجسيد الصراع السياسي، ففي الدقائق الأولى داخل منزل “منى” و”أكرم”  سنجد أننا أمام أسرة غنية تعيش حياة مستقرة، ولكن في واقع الأمر سينكشف إلينا فيما بعد أن هذا الإستقرار زائف ومبني على الكذب والمعاناة مثل المجتمع، فالزوج “أكرم” رجل مسلم محافظ عنصري وطبقي، أمر زوجته بوضع علامة على الأكواب والأطباق التي تستخدمها “جوليا” وأبنها كنوع من التمييز العنصري وكدلالة على قرفه منهم، كما قام بمنع زوجته “منى” عن أكثر شيء تحبه وهو الغناء، أما “منى” فقد إعتادت الكذب كحيلة دفاعية للبقاء على إستقرار حياتها، فالعلاقة بين “أكرم” و”منى” كالعلاقة بين الفن والسلطة المستبدة والتي تكون شديدة العداء تجاه الفن والثقافة، ويتضح ذلك في المشاهد التي تصور “منى” خلف قضبان حديد المنزل وكأنها حبيسة، وأيضاً المشاهد التي تجمعها مع العصافير الحبيسة في القفص، أما “جوليا” فتمثل المواطن المخلص لوطنه، الذي يسعى إلى الإستقرار ويتقبل الآخر ويرفض الإنفصال، ولا يفرق بين مسلم ومسيحي، أو شمالي وجنوبي، أو لون بشرة أو اختلاف لغة، ثم الطفل “داني” والذي يعبر عن التحول في الشخصية من شخصية مسالمة إلى شخصية متطرفة بسبب التداعيات السلبية للصراعات والحروب على بعض الشخصيات. 

قام المخرج أيضاً بإستخدام ثيمات تتجلى في (العنصرية، الطبقية، التغريب، التنميط السلبي) والتي أدت إلى تفاقم الصراع بين الشمال والجنوب، والتي لم تنتهي فقط بتقسيم السودان ولكن أيضاً أدت إلى حرب السودان وما تبعها من أحداث مأساوية ومعاناة للشعب السوداني بأكمله، ورغم التوظيف الجيد للمخرج للأدوات السينمائية من صورة وإضاءة وغيرها، ولكن يبرز التميز الحقيقي في القصة وأختيار طاقم التمثيل، ويتضح هذا في الأداء المميز بداية من “سيران رياك” والتي قامت بدور “جوليا”، و“إيمان يوسف” التي قامت بدور “منى”، مروراً ب“نزار جمعة” والذي قام بدور “أكرم” والذي كان دوره أكثر تعقيداً ولكنه أثبت براعة كبيرة في أداء الدور، وصولاً للطفل والصبي اللذان قاما بدور “داني”، وأيضاً باقي طاقم التمثيل.

جدلية التسامح والانتقام

سيظل التساؤل حول متى وكيف نسامح؟ أو من يستحق أن نسامحة أو لا نسامحه مستمراً، مثلما تستمر القصص والحكايات عن من عانوا من ويلات الحروب فعاشوا وتعايشوا مع قسوة الآلام والأوجاع والتي تبدو من شدة قسوتها وكأنها هوة سحيقة بلا قاع، فكثيرون من يواجهون هذا في ظل عالم يمتليء بأشباه البشر الأشرار ومنعدمي الإنسانية، ومسؤولين قساة في بعض دول العالم الثالث يتمسكون بسلطاتهم ولا يتهاونون في أن تمتليء سجونهم بالبشر مثلما تمتليء خزائنهم بالثروات، فلا يكترثون بأن تسيل الدماء كالأنهار، وتتسوى المدن بالأرض، وتدخل بلادهم في حرب من أجل إستمرار هذه السلطة والسطوة، ولكن قليلون من أستطاعوا أن يحافظون على إنسانيتهم مثل “جوليا” والتي نجحت في النهاية في التسامح، في الوقت الذي تحررت فيه “منى” من سطوة زوجها بعد الإنفصال عنه والعودة للغناء، ففي ظل هذه الأحداث القاسية يتم ترحيل “جوليا” من الخرطوم ويعلو صوت غناء “منى” في مشهد حزين، أما على مستوى الواقع فرغم الأحداث المأساوية الأخيرة للسودان أستطاع فيلم “وداعاً جوليا” أن يفوز بجائزة الحرية بمهرجان كان السينمائي الدولي، ويحصد العديد من الجوائز الدولية، ويرشح ليمثل السودان في مسابقة الأوسكار ضمن فئة أفضل فيلم غير ناطق بالأنجليزية، بالإضافة إلى نجاح الفيلم جماهيرياً على مستوى السينمات المصرية والتي جمعت دور عرضها بين السودانيين من الشمال والجنوب والمصريين على حد سواء، ليبرهن العمل على أن الفن جامع لكل الفئات وقد يعلو صوته فوق صوت المعركة.

أحمد المسيري

باحث في علم الإجتماع السياسي والرأي العام ،والإعلام، كاتب وناقد سينمائي حاصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية، الجنسية مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى