آخر التحديثاتأبرز العناوينرسالة المحرّرمقال الرأي

(ديمنشا) الخطاب الرسمي الأميركي

الاستماع للمقال صوتياً

واشنطن – رسالة المحرّر

بقلم مرح البقاعي

من الممكن أن يفوز الرئيس الأميركي الحالي، جو بايدن، بترشيح حزبه الديمقراطي وإمكانية إعادة انتخابه هذا العام لفترة رئاسية ثانية وأخيرة، وربما سيكون منافسه في الطرف المقابل الجمهوري الرئيس الأسبق، دونالد ترامب.

الرئيس بايدن واجه مؤخراً ردة فعل عنيفة من الناخبين العرب الأميركيين، الذين يشعرون بأن الرئيس قد خذلهم بدعمه المطلق للحرب الإسرائيلية على غزة وأهلها، والتي قُتل فيها أكثر من 27 ألف فلسطيني، وفقًا لتقارير رسمية صادرة عن وزارة الصحة  في غزة.

وكان الرئيس بايدن قد حصل في الدورة الانتخابية للعام 2016 على دعم منقطع النظير من الجاليات العربية والمسلمة ومن قادة المنظمات العربية الأميركية وأعضائها، لكن الأمر لن يكون على نفس الوتيرة السابقة في العام 2020 على مايبدو، رغم محاولات بايدن وفريقه المنوط بإدارة حملته الانتخابية لطمئنة الجالية العربية الأميركية والتأكيد لها في غير مناسبة برغبة إدارة بايدن ودفعها القوي الداعم لوقف الحرب على غزة والشروع في تأسيس الدولة الفلسطينية ضمن مبدأ ’حل الدولتين’ الذي يشكل عقدة المنشار بالنسبة لحكومة إسرائيل اليمينية المتطرفة ورئيسها، بنيامين نتنياهو، وهو طالما سعى بكل السبل الممكنة إلى تقويض المساعي العربية والدولية لإقامة دولة فلسطين ذات السيادة.

ففي ولاية مينيسوتا أسست مجموعة من العرب الأميركيين حملة شعبية لتشجيع الناخبين على التصويت بـ ’لا’ لبايدن سواء لترشيحه عن الديمقراطيين، أو في الانتخابات الرئاسية للعام 2024 في حال فاز بترشيح الحزب. وجاء رد الفعل هذا بعد أن تقدمت مجموعة من الأميركيين المسلمين لإدارة بايدن بطلب عاجل ليدعم وقفًا لإطلاق النار بحلول 31 أكتوبر. وعندما لم يستجب بايدن لهذه الدعوات ولم يدعم وقف دائم للقتال، تعهدت المجموعة بشن حملة لإسقاطه في الانتخابات.

هذا وقد أدلى ما لا يقل عن 146,620 من أصل 200 ألف ناخب أميركي مسلم في ولاية ميشيغان وحدها – وهي معقل للمهاجرين من أصل عربي –  بأصواتهم في الدورة الانتخابية لعام 2020، وفاز حينها بايدن بولاية ميشيغان بفارق ثلاث نقاط مئوية عن منافسه ترامب. 

هذا الحراك المعاكس لحملة بايدن يحدث في الولايات المتحدة بينما كان رأس دبلوماسية إدارته يجول في الشرق الأوسط في زيارته الخامسة للمنطقة منذ أحداث 7 اوكتوبر، في سفرات مكوكية لم يسبقه في تواترها إلا وزير الخارجية الراحل هنري كيسنجر، الذي يعتبر مهندس الرحلات الدبلوماسية المكوكية باسم أميركا. ويحسب لكيسنجر نجاحه في التوصل إلى وقف إطلاق النار في شمال فيتنام، الأمر الذي مهد لخروج الولايات المتحدة في العام 1975، بينما استحق هو جائزة نوبل للسلام العام 1973. وفي العام نفسه 1973، نجح كيسنجر في مساعيه التي بذلها بين مصر وسوريا وإسرائيل في التوصل إلى وقف لإطلاق النار وتوقيع اتفاقية الفصل بين القوات. 

يحاول الوزير بلينكن أن يخفف من التوتر في العلاقات العربية الأميركية التي تأثرت بشكل كبير بالدعم المطلق لإدارة بايدن للعمليات الإسرائيلية العسكرية ضد غزة في فتراتها الأولى، رغم أنه بدأ يتحول بعد ذلك في واشنطن إلى لهجة محذرة لإسرائيل من مغبة استهداف المدنيين بهذا الشكل الانتقامي الأعمى.

أما الطرف الإسرائيلي فبدا يسير في الاتجاه المعاكس للرأي العام العربي والعالمي، وللتاريخ أيضاً، ما يشكل تحديًا جديدًا لبايدن في مرحلة انتخابية دقيقة تبدو فيها شعبيته تتراجع بشكل مطرد على مختلف الصعد وفي العديد من الولايات، حتى المتأرجحة منها التي عادة ما تحسم نتيجة الانتخابات، ومنها ولاية ميشيغان.

في إسرائيل، لا يبدو نتنياهو في حال أفضل من بايدن، فهو يواجه تحدياته السياسية الخاصة، حيث تظهر استطلاعات الرأي أن الغالبية العظمى من الإسرائيليين يريدون إجراء انتخابات مبكرة، وسوف يصوتون لصالح خروج نتنياهو من منصبه وإسقاط حكومته اليمينية.

وفي الوقت الذي يقوم بلينكن برحلاته المكوكية إلى الدول العربية المعنية بالنزاع على أمل تخفيف التوترات الإقليمية وإنهاء الحرب في غزة، فإن الوزراء الإسرائيليين من اليمين المتطرف يصعدون من خطابهم العنصري والعنفي تجاه الفلسطينيين، بينما يأججون في الوقت عينه الخصومة مع الحليف القديم بايدن.

فقد هاجم اثنان من وزراء حكومة بنيامين نتنياهو الرئيس الأمريكي جو بايدن. وقال إيتامار بن غفير، وزير الأمن القومي، إن بايدن يعيق الهجوم ضد حماس ويركز بشكل كبير على إيصال المساعدات للمدنيين في غزة. وأشار إلى أن دونالد ترامب، من وجهة نظر إسرائيل، سيكون رئيسًا أفضل. ثم هاجم وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، بايدن لفرضه عقوبات على ستة مستوطنين يهود في الضفة الغربية، وقال إن منع  واشنطن وصولهم إلى حساباتهم المصرفية يرقى إلى مستوى “حملة معادية للسامية”.

لطالما كان هذا الوزيران مثيرين للجدل. لكن انتقاداهما الصريح لبايدن – الذي زار إسرائيل بعد وقت قصير من هجوم حماس في 7 أكتوبر ودافع باستمرار عن حقها في شن حرب في غزة – يسلط الضوء على التوترات بين قيادتي البلدين. بينما يحاول نتنياهو من طرفه السير في طريق صعب من خلال الحفاظ على اليمين المتطرف في ائتلافه، والتعاون ظاهريًا مع إدارة بايدن. لكن الأمر يصبح أكثر صعوبة كلما طال أمد الحرب وكلما واجهت إسرائيل ضغوطا لإنهائها.

رد رئيس الوزراء على تصريحات الوزيرين أتى بتوجيه الشكر لبايدن على دعمه الثابت وعلى الجهود الأميركية المستمرة لإطلاق سراح أكثر من 100 رهينة ما زالوا محتجزين في غزة من قبل حماس. لكنه رفض إدانة أي من شركائه في الائتلاف. ومثله مثل سموتريش، رفض العقوبات التي أقرتها واشنطن على ستة مستوطنين مدانين بارتكاب العنف ضد مدنيين فلسطينيين، والتي تقول الولايات المتحدة إنها عقوبات تهدف إلى منع الاعتداءات على  الفلسطينيين من جانب المستوطنين المتطرفين.

أما الوزير بلينكن فيسعى في رحلته الخامسة للشرق الأوسط أن يشرح ويؤكد على موقف إدارة بايدن، للعرب من جهة، وللعالم الغاضب من حجم الضحايا المدنيين من أهل غزة العزل. ويشير بلينكن في تصريحاته خلال الجولة  أنه في حين تدعم الولايات المتحدة  حق إسرائيل في مهاجمة حماس، تحاول إقناع نتنياهو بتخفيف حجم عملياته العسكرية.

وتصر واشنطن أيضًا كما تَوافَق العرب في موقف موحد تقوده المملكة العربية السعودية – ما يثير استياء نتنياهو ووزرائه – على أن تقبل إسرائيل بحل الدولتين باعتباره السبيل الوحيد للسلام مع الفلسطينيين.

رحلة الوزير بلينكن الأخيرة قد لا تكون بنتائجها المتواضعة خير من رحلاته السابقة للضغط على نتنياهو ودفعه إلى الدخول في هدنة طويلة الأمد مقابل الإفراج عن الرهائن، وكذا تقديم المساعدات الإنسانية الملحة للمحاصرين من مدنيي غزة في خط تقاطع النيران. غادر بلينكن برفض قاطع من حكومة الحرب في إسرائيل لإيقاف العمليات العسكرية، بل كان من نتنياهو أن سارع وأعلن فور مغادرة بلينكن مطار بنغوريون أن عملية كبرى ستبدأ على رفح في القريب العاجل.

هكذا تبدو إدارة بايدن عاجزة تمامًا ومرتبكة في فترة ينشغل فيها الرئيس بايدن بحملته الانتخابية متنقلًا من ولاية لأخرى لتجميع ما خسره من تأييد ودعم شعبيين، وذلك عطفًا على أدائه السياسي الباهت في الداخل الأميركي، والخارج الدولي، على حد سواء، وخطابه الذي يكاد يدخل في حالة ديمنشا (Dementia) مثيرة للقلق.

فهل يفوز بايدن بترشيح حزبه رغم هذا الوهن السياسي المتعاظم الذي أصبح محرجاً لأميركا حكومة وشعبًا.

أتساءل…

مرح البقاعي

مستشارة في السياسات الدولية، صحافية معتمدة في البيت الأبيض، ورئيسة تحرير منصة .’البيت الأبيض بالعربية’ في واشنطن
زر الذهاب إلى الأعلى