آخر التحديثاتأبرز العناوينثقافات

’احا’ باسم يوسف التي أسعدتنا

الاستماع للمقال صوتياً

القاهرة – خاص وايتهاوس

ثقافات بقلم أحمد المسيري

 فرق كبير بين أن تكون مشهوراً وأن تكون مؤثراً، فليس كل مشهور مؤثر، وليس كل مؤثر مشهور، ولكن أن تكون مؤثراً بجانب أن تكون مشهوراً فهو شيء نادر، لأن الشخص المؤثر يحتاج إلى الإيمان بقضية وأن يملك القدرة على توظيف مهاراته وأدواته المتاحة للدفاع عنها عند الضرورة.

 في الأيام السابقة خرج العديد من المشاهير سواء على المستوى العربي أو العالمي لإظهار موقفهم تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وعبر العديد منهم عن إظهار تأييده للجانب الفلسطيني ورفضه للانتهاكات التي تحدث تجاهه، أو حتى تأييده للجانب المضاد، ولكن على المستوى العربي فكان لقاء “باسم يوسف” الأخير مع الإعلامي البريطاني الشهير“بيريس مورجان”  الأكثر رواجاً وتأثيراً، ولهذا لابد من التساؤل لماذا؟

التفوق بالاستهزاء والدعابة

يرى فرويد أن النكات والدعابة والسخرية تعد تعبيرات مقبولة إجتماعياً لاستيعاب ما يواجهه الإنسان في الحياة من المواقف والممارسات التي تتسبب في الضرر له ولا يستطيع أن يتخذ ضدها رد فعل إما بسبب عجزه أو بسبب المعايير القانونية أو الإجتماعية، أو حتى بعض القيود المفروضة على حرية الرأي تجاه قضايا معينة، وهنا تعتبر الدعابة والنكات رد فعل دفاعي، وهذا ما طوره علماء النفس التجريبي المعاصرين بناء على أفكار فرويد في الوصول لفكرة (التفوق في الدعابة)، والتي يكتسب صاحبها مكانة متفوقة بسبب قدرته على تحويل إحباطات وأوجاع الجماهير إلى كوميديا سوداء تعبر عن عجزهم دون التسبب في أذى مادي()، ولأنه عُرف عن العرب بصفة عامة والمصريين بصفة خاصة أنهم (أولاد نكته)، ومن جهه أخرى براعة “باسم يوسف” في تقديم هذا اللون من الكوميديا فقد إستطاع أن يصل إلى قلوب الشعب العربي بصفة عامة والمصري بصفة خاصة، بجانب انتشاره على المستوى العالمي.

عرض نقاط سياسية هامة بإسلوب ساخر وبسيط 

تهتم إتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، ففي المادة (33) تحظر العقوبات الجماعية، وجميع تدابير التهديد أو الإرهاب، وحظر تدابير الاقتصاص من الأشخاص المحميين وممتلكاتهم.

وفي المادة (49) يحظر النقل والترحيل الجماعي والنفي للأشخاص المحميين من أرضهم، ورغم أن يجوز للدولة المحتلة الإخلاء الكلي أو الجزئي لمنطقة محتلة معينة لأسباب عسكرية قهرية، ولكن لا يجوز أن يترتب على عملية الإخلاء نزوح الأشخاص خارج حدود أرضهم المحتلة. 

لم يتحدث “باسم” كرجل سياسي، ولم يشير إلى ما أشرنا إليه من بعض مواد إتفاقية جنيف الرابعة والتي تم إنتهاكها من قبل الجانب الإسرائيلي المُلزم بتطبيقها والإخلال ببنودها، ومن جهة أخرى لم يُبريء حركة حماس من ما فعلته في السابع من أكتوبر وقتلها وأسرها لمدنيين مما نتج عنه رد فعل وحشي من الجانب الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، والتي وصلت إلى قطع الطريق أمام الإمدادات والمساعدات التي تتجه إليهم بما هو مخالف للمادة (38) من نفس الإتفاقية، ولكنه ترك أمر النقاش حول المعاهدات الدولية للقادة والسياسيين وقام بترجمة هذه البنود بطريقته الخاصة، حيث تقمص دور مواطن إسرائيلي وألقى باللوم على رئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو” لأنه إنتخبه ولم يلقى السلام الذي وعده به، ثم تسائل كيف إقتحمت حماس السياج الأمن والذي أدعت حكومة إسرائيل أنه لا تستطيع حمامه أن تقتحمه في الوقت الذي إقتحمته فيه حماس وأنتشرت لمدة ست ساعات قبل إنتشار قوات الجيش الإسرائيلي؟ وماذا تفعل بالأموال التي تمنحها لك الولايات المتحدة؟ وكيف تقصف غزة دون إعتبار لعائلاتنا وأصدقائنا الأسرى في قبضة حماس.

كما أشار للقصف المستمر على قطاع غزة والذي يعد رد فعل إنتقامي بعدة إسقطات مختلفة، منها تشبيهه لموت الفلسطينيين مقابل الإسرائليين بالعملات المشفرة، فموت مواطن إسرائيلي يقابله موت عشرات المواطنيين من الجانب الفلسطيني والذي يتزايد بإستمرار، وكأن حياة الإنسان أصبح لها سعر صرف يومي، وأنه إذا كان ماتفعله إسرائيل بغرض قصف حماس فلماذا تقصف أيضاً الجزء الخالي من حماس، وأن العقاب الجماعي ماهو إلا فعل إرهابي لا يختلف عن ما تفعله الجماعات والتنظيمات الإرهابية ولا يوجد أي مبرر له.

أما بالنسبه لرده على الشق الخاص بتهجير الفلسطينيين من وطنهم إلى سيناء فقد أجاب بالجملة الإعتراضية (أحا).

نجح “باسم يوسف” في إيصال رسالته إلى العالم بأسلوب مختلف يعتمد على التلقائية والتوظيف الجيد لأدواته، ودون خوف على مصالحه أو مستقبله مستغلاً الحقوق التي منحها له الدستور الأمريكي في التعبير عن رأيه بحريه، وصدقته فئه كبيره من الجماهير لأنهم شعروا أن حديثه نابع عن إيمانه بقضية وليس مجرد كسب تريند أو مواكبة الأحداث وإرضاء الجماهير الناقمة على ما يحدث في فلسطين، والأهم أنه تحدث من منطلق إنساني وليس سياسي أو عقائدي، وفي النهاية لا صوت يعلو فوق صوت الضمير الإنساني، “فعند التجرد من تحيزاتك السياسية والعقائدية ستحكم على الغير كونك إنسان، أما إذا تجردت من إنسانيتك فدوماً ستجد مبرر لقتل أي إنسان“.

 

أحمد المسيري

باحث في علم الإجتماع السياسي والرأي العام ،والإعلام، كاتب وناقد سينمائي حاصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية، الجنسية مصري
زر الذهاب إلى الأعلى